أبو حامد الغزالي
189
تهافت الفلاسفة
مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أنه يعرف ذاته أيضا فنقول : المسلمون لما عرفوا حدوث العالم بإرادته ، استدلوا بالإرادة على العلم ، ثم بالإرادة والعلم جميعا ، على الحياة ، ثم بالحياة على أن كل حي ، يشعر بنفسه ، وهو حي ، فيعرف أيضا ذاته ، فكان هذا منهجا معقولا ، في غاية المتانة . فأما أنتم ، فإذا نفيتم الإرادة والإحداث ، وزعمتم أن ما يصدر عنه ، يصدر بلزوم على سبيل الضرورة والطبع ، فأىّ بعد في أن تكون ذاته ذاتا ، من شأنها أن يوجد منها المعلول الأول فقط ؟ ! ، ثم يلزم من المعلول الأول ، المعلول الثاني ، إلى تمام ترتيب الموجودات ، ولكنه مع ذلك لا يشعر بذاته ، كالنار يلزم منها السخونة ، والشمس يلزم منها النور ، ولا يعرف واحد منهما ذاته ، كما لا يعرف غيره ، بل من يعرف ذاته ، يعرف ما يصدر عنه ، فيعرف غيره ، وقد بيّنّا من مذهبهم ، أنه لا يعرف غيره وألزمنا من خالفهم من ذلك ، موافقتهم بحكم وضعهم ؛ وإذا لم يعرف غيره ، لم يبعد ألا يعرف نفسه . فإن قيل : كل من لا يعرف نفسه ، فهو ميت ، فكيف يكون الأول ميتا ؟ ! . قلنا : فقد لزمكم ذلك على مساق مذهبكم ، إذ لا فصل بينكم وبين من قال : كل من لا يفعل ، بإرادة ، وقدرة ، واختيار ، ولا يسمع ، ولا يبصر ، فهو ميت ، ومن لا يعرف غيره فهو ميت ، فإن جاز أن يكون الأول خاليا عن