أبو حامد الغزالي

181

تهافت الفلاسفة

المقادير ، لكون النظام متعلقا به ، فوجب المقدار الذي وقع ، ولم يجز خلافه ، فكذا إذا قدّر غير معلول . بل لو أثبتوا في المعلول الأول - الذي هو علة الجرم الأقصى عندهم - مبدأ للتخصيص ، مثل الإرادة مثلا ، لم ينقطع السؤال ، إذ يقال : ولم أراد هذا المقدار دون غيره ؟ ! ، كما ألزموه على المسلمين ، في إضافتهم الأشياء إلى الإرادة القديمة ، وقد قلبنا عليهم ذلك ، في تعيّن جهة حركة السماء ، وفي تعيّن نقطتى القطبين . فإذا بان أنهم مضطرون إلى تجويز تمييز الشئ عن مثله في الوقوع بعلة ، فتجويزه بغير علة ، كتجويزه بعلة ، إذ لا فرق بين أن يتوجه السؤال في نفس الشئ ، فيقال : لم اختص بهذا القدر ؟ ! ، وبين أن يتوجه في العلة ، فيقال : ولم خصصته بهذا القدر عن مثله ؟ ! ، فإن أمكن دفع السؤال عن العلة ، بأن هذا المقدار ليس مثل غيره ، إذ النظام مرتبط به دون غيره ، أمكن دفع السؤال عن نفس الشئ ، ولم يفتقر إلى علة ، وهذا لا مخرج عنه . فإن هذا المقدار المعين الواقع ، إن كان مثل الذي لم يقع ، فالسؤال متوجه ، أنه كيف ميّز الشئ عن مثله ؟ ! ، خصوصا على أصلهم ، فهم ينكرون الإرادة المميزة ؛ وإن لم تكن مثلا له ، فلا يثبت الجواز ، بل يقال : وقع كذلك قديما ، كما وقعت العلة القديمة بزعمهم . وليستمد الناظر في هذا الكلام ، مما أوردناه لهم ، من توجيه السؤال في الإرادة القديمة ، وقلبنا ذلك عليهم ، في نقطة القطب ، وفي جهة حركة الفلك . وتبين بهذا ، أن من لا يصدق بحدوث الأجسام ، لا يقدر على إقامة دليل ، على أن الأول ليس بجسم أصلا .