أبو حامد الغزالي
182
تهافت الفلاسفة
مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن للعالم صانعا وعلة فنقول : إن من ذهب إلى أن كل جسم فهو حادث ، لأنه لا يخلو عن الحوادث ، عقل مذهبهم في قولهم : إنه يفتقر إلى صانع وعلة . وأما أنتم فما الذي يمنعكم من مذهب الدهرية ؟ ! وهو أن العالم قديم كذلك ولا علة له ، ولا صانع ؛ وإنما العلة للحوادث ، وليس يحدث في العالم جسم ، ولا ينعدم جسم ، وإنما تحدث الصور والأعراض . فإن الأجسام التي هي في السماوات ، قديمة ؛ والعناصر الأربعة التي هي حشو فلك القمر ، وأجسامها وموادها ، قديمة ، وإنما تتبدل عليها الصور بالامتزاجات والاستحالات ، وتحدث النفوس الإنسانية ، والحيوانية ، والنباتية ؛ وهذه الحوادث تنتهى عللها إلى الحركة الدورية ، والحركة الدورية قديمة ، ومصدرها نفس قديمة للفلك ؛ فإذن لا علة للعالم ، ولا صانع لأجسامه ، بل هو كما هو عليه ، لم يزل قديما كذلك بلا علة - أعنى الأجسام - فما معنى قولهم : إن هذه الأجسام ، وجودها بعلة وهي قديمة ؟ ! فإن قيل : كل ما لا علة له فهو واجب الوجود ، وقد ذكرنا من صفات واجب الوجود ، ما تبين به أن الجسم لا يكون واجب الوجود . قلنا : وقد بيّنّا فساد ما أدعيتموه من صفات واجب الوجود ، وأن البرهان لا يدل إلا على قطع السلسلة ، وقد انقطعت عند الدهري في أول الأمر ، إذ يقول : لا علة للأجسام ، وأما الصور والأعراض فبعضها علة للبعض ، إلى أن