أبو حامد الغزالي
171
تهافت الفلاسفة
ولذلك لا تحد الأشياء إلا بالمقومات ، فإن حدت باللوازم ، كان ذلك رسما ، للتمييز لا لتصوير حقيقة الشئ ، فلا يقال في حد المثلث : إنه الذي تساوى زواياه القائمتين ؛ وإن كان ذلك لازما عاما لكل مثلث ؛ بل يقال : إنه شكل تحيط به ثلاثة أضلاع . وكذلك المشاركة في كونه جوهرا ، فإن معنى كونه جوهرا ، أنه موجود لا في موضوع ؛ والموجود ليس بجنس ، فبأن يضاف إليه أمر سلبى - وهو أنه لا في موضوع - لا يصير جنسا مقوما ؛ بل لو أضيف إليه إيجابه ، وقيل : موجود في موضوع ، لم يصر جنسا في العرض ؛ وهذا لأن من عرف الجوهر بحده الذي هو كالرسم له ، وهو « أنه موجود لا في موضوع » ، فليس يعرف كونه موجودا ، فضلا عن أن يعرف أنه في موضوع أو لا في موضوع ؛ بل معنى قولنا في رسم الجوهر : إنه « الموجود لا في موضوع » ( أي « 1 » ) أنه حقيقة ما ، إذا وجد ، وجد لا في موضوع ؛ ولسنا نعنى به « 2 » ، أنه موجود بالفعل حالة التحديد ، فليست المشاركة فيه مشاركة في الجنس . بل المشاركة في مقومات الماهية ، هي المشاركة في الجنس ، المحوج إلى . المباينة بعده بالفصل ، وليس للأول ماهية ، سوى الوجود الواجب ؛ فالوجود الواجب طبيعة حقيقية ، وماهية في نفسه ، هو له لا لغيره ؛ وإذا لم يكن وجوب الوجود إلاله ، لم يشاركه غيره ، فلم ينفصل عنه بفصل نوعي ، فلم يكن له حد . فهذا تفهيم مذهبهم : والكلام عليه من وجهين مطالبة وإبطال . أما المطالبة فهي أن يقال : هذا حكاية المذهب ، فبم عرفتم استحالة ذلك في حق الأول ؟ ! ، حتى بنيتم عليه نفى الاثنينية ، إذ قلتم : إن الثاني ينبغي أن
--> ( 1 ) كذا في الأصول ، وواضح أن وجودها يخل بالمعنى فهي زائدة . ( 2 ) يعنى بالجوهر .