أبو حامد الغزالي

172

تهافت الفلاسفة

يشاركه في شئ ويباينه في شئ ، والذي فيه ما يشارك به ، وما يباين به ، فهو مركب ، والمركب محال . فنقول : هذا النوع من التركيب من أين عرفتم استحالته ؟ ! ، ولا دليل عليه إلا قولكم المحكى عنكم في نفى الصفات ، وهو أن المركب من الجنس والفصل ، مجتمع من أجزاء ، فإن كان يصح لواحد : من الأجزاء ، أو الجملة ، في حال ، وجود دون الآخر ؛ فهو واجب الوجود دون ما عداه ؛ وإن كان لا يصح للأجزاء ، وجود ، دون المجتمع ، ولا للمجتمع وجود دون الأجزاء ، فالكل معلول محتاج . وقد تكلمنا عليه في الصفات . وبيّنا أن ذلك ليس بمحال ، في قطع تسلسل العلل ، والبرهان لم يدل إلا على قطع التسلسل . فأما العظائم التي اخترعوها في لزوم اتصاف واجب الوجود بها ، فلم يدل عليها دليل ؛ فإن كان واجب الوجود ، ما وصفوه به ، وهو أنه لا يكون فيه كثرة ، فلا يحتاج في قوامه إلى غيره ، فلا دليل إذن على إثبات واجب الوجود ؛ وإنما الدليل دل على قطع التسلسل فقط ، وهذا قد فرغنا منه في الصفات . وهو في هذا النوع أظهر . فإن انقسام الشئ إلى الجنس والفصل ، ليس كانقسام الموصوف إلى ذات وصفة ، فإن الصفة غير الذات ، والذات غير الصفة ؛ والنوع ليس غير الجنس من كل وجه ، فمهما ذكرنا النوع فقد ذكرنا الجنس وزيادة ؛ فإنا إذا ذكرنا الإنسان ، فلم نذكر إلا الحيوان مع زيادة نطق ؛ فقول القائل : إن الإنسانية هل تستغنى عن الحيوانية ، كقوله : إن الإنسانية هل تستغنى عن نفسها ، إذا انضم إليها شئ آخر ، فهذا أبعد عن الكثرة من الصفة والموصوف . ومن أي وجه يستحيل أن تنقطع سلسلة المعلولات ، على علتين ، إحداهما علة السماوات ، والأخرى علة العناصر ؛ أو إحداهما علة العقول ، والأخرى علة الأجسام كلها ؟ ! ، وتكون بينهما مباينة ومفارقة في المعنى ، كما بين الحمرة والحرارة في محل واحد ، فإنهما يتباينان في المعنى ، من غير أن نفرض في الحمرة