أبو حامد الغزالي

170

تهافت الفلاسفة

مسألة في إبطال قولهم : إن الأول لا يجوز أن يشارك غيره في جنس ويفارقه بفصل وأنه لا يطترق إليه انقسام ، في حق العقل ، بالجنس والفصل وقد اتفقوا على هذا ، وبنوا عليه أنه إذا لم يشارك غيره بمعنى جنسي ، لم ينفصل عنه بمعنى فصلى ، فلم يكن له حد ، إذ الحد ينتظم من الجنس والفصل ، وما لا تركب فيه فلا حد له ، وهذا نوع من التركب . وزعموا : أن قول القائل : إنه يساوى المعلول الأول ، في كونه موجودا ، وجوهرا ، وعلة لغيره ، ويباينه بشئ آخر لا محالة ، فليس هذا مشاركة في الجنس ، بل هو مشاركة في لازم عام ، وفرق بين الجنس واللازم في الحقيقة ، وإن لم يفترقا في العموم ، على ما عرف في المنطق ، فإن الجنس الذاتي ، هو العام المقول في جواب ما هو ، ويدخل في ماهية الشئ المحدود ، ويكون مقوما لذاته ، فكون الإنسان حيا ، داخل في ماهية الإنسان - أعنى الحيوانية - فكان جنسا ، وكونه مولودا ، ومخلوقا ، لازم له ، لا يفارقه قط ، ولكنه ليس داخلا في الماهية ، وإن كان لازما عاما ، ويعرف ذلك في المنطق معرفة لا يتمارى فيها . وزعموا : أن الوجود لا يدخل قط في ماهيات الأشياء ، بل هو مضاف إلى الماهية إما لازما لا يفارق كالسماء ، أو واردا بعد أن لم يكن كالأشياء الحادثة ، فالمشاركة في الوجود ليست مشاركة في الجنس . وأما مشاركته في كونه علة لغيره ، كسائر العلل ، فهي مشاركة في إضافة لازمة ، لا تدخل أيضا في الماهية ، فإن المبدئية والوجود لا يقوّم واحد منهما الذات ، بل يلزمان الذات ، بعد أن تقوّم الذات بأجزاء ماهيتها ، فليست المشاركة فيه إلا مشاركة في لازم عام ، يتبع الذات لزومه ، لا في جنس ؛