أبو حامد الغزالي
17
تهافت الفلاسفة
فإنه ثبت بالصناعة الطبية أن الأجزاء العضوية يتغذى بعضها بفضلة غذاء البعض ، فيتغذى الكبد بأجزاء القلب ، وكذلك سائر الأعضاء . فنفرض أجزاء معينة قد كانت مادة لجملة من الأعضاء ، فإلى أي عضو تعاد ؟ . بل لا يحتاج في تقرير الاستحالة الأولى إلى أكل الناس الناس ؛ فإنك إذا تأملت ظاهر التربة المعمورة ، علمت بعد طول الزمان ، أن ترابها جثث الموتى ، قد تتربت وزرع فيها وغرس ، وصارت حبا وفاكهة ، وتناولتها الدواب ، فصارت لحما ، وتناولناها فصارت أبدانا لنا . فما من مادة يشار إليها إلا وقد كانت بدنا لأناس كثيرين ، فاستحالت وصارت ترابا ، ثم نباتا ، ثم لحما ثم حيوانا . بل يلزم منه محال ثالث ، وهو أن النفوس المفارقة للأبدان غير متناهية والأبدان أجسام متناهية ، فلا تفي المواد - التي كانت مواد الإنسان - بأنفس الناس كلهم ، بل تضيق بهم » . فحضرنى ما كنت قرأته قبل ذلك في كتابي « النجاة » و « الشفاء » لابن سينا بخصوص هذه المسألة ، وفيه التصريح بالبعث الجسماني ، فذكرت على الفور ، موقف الزميل الذي نبه إلى وجوب الحذر من أن يدلس الغزالي على خصومه ، وهو يروى لهم وينقل عنهم ، فأثبت - بهامش المسألة العشرين من كتاب التهافت التي يصرح الغزالي فيها بأن الفلاسفة أنكروا البعث الجسماني ، والتي يروى فيها دليلا ، على لسانهم ، بجعل وقوع البعث الجسماني أمرا مستحيلا - النص الكامل الوارد في النجاة بخصوص هذه المسألة . وفيه قسم ابن سينا البحث قسمين : خصص واحدا منهما للحديث عن البعث الجسماني ، وقد جاء على اختصاره وقصره ، صريحا واضحا ، دالا على أن صاحبه يؤمن بالبعث الجسماني إيمانا عميقا ، ويوقن به إيقانا شديدا . أما ثانيهما فقد خصصه لشرح البعث الروحاني وقد جاء مستفيضا مطولا ، وفيه غموض والتواء ، بل فيه عبارات تشير إلى نفى البعث الجسماني . وهكذا ظهر البحث في جملته متضاربا « 1 » ، لكن تضارب ابن سينا وتعارض
--> ( 1 ) انظره في هامش المسألة العشرين من هذه الطبعة أيضا ، إذ آثرت استبقاءه صيانة لمعالم الماضي .