أبو حامد الغزالي
18
تهافت الفلاسفة
موقفه بالنسبة للبعث الجسماني في النص الواحد ، لم يصح - عندي - شفيعا للغزالي في أمرين أخذتهما عليه : أولهما : أنه إذا كان ابن سينا متعارضا يثبت البعث الجسماني وينفيه ، فمن أين للغزالي القطع بأن ابن سينا ينكر البعث الجسماني ؟ ولماذا يأخذ طرفا معينا من الطرفين اللذين يتردد بينهما ابن سينا ويسجله عليه ، ويضرب بالآخر عرض الحائط ؟ وثانيهما : التساؤل عن مصدر الدليل الذي يرويه الغزالي بلسان خصومه على أنه عدتهم ومستندهم في إنكار البعث الجسماني ؛ إذا لم يرد للدليل الذي حكاه الغزالي في التهافت على لسان الفلاسفة ، تعزيزا لإنكار البعث الجسماني ، ذكر لا في « الشفاء » ولا في « النجاة » وهما أوسع وأشهر ما كتب ابن سينا في الفلسفة ولأنى - في ذلكم الوقت - لم أجد للغزالي مخرجا من هذا الذي اعتبرته منه تورطا وافتياتا على الحقيقة وعلى خصومه ، فقد أنحيت عليه باللائمة قائلا : - في التعليق على النص المقتبس من كتاب النجاة - « هذا هو رأى ابن سينا في البعث ، وهو - كما ترى - شطران : أحدهما : يرجع فيه إلى الشريعة المحمدية ، وما جاء فيها عن بعث البدن ونعيمه وعذابه ، وقد آمن بكل ذلك وأذعن له . وثانيهما : يرجع فيه إلى العقل وما تأدى إليه من بعث الروح ونعيمها وغذابها وقد حكى كل ذلك أيضا حكاية المذعن المؤمن . والذي لا يستطيع المنصف أن يمارى فيه ، أن ما جاء في الشطر الثاني يكاد يودى بما جاء في الشطر الأول ، إذ قد جعل مناط السعادة والشقاوة في الخلاص من البدن ، فالنفوس التي توفرت لديها أسباب السعادة ، إنما كان يمنعها من الشعور بها البدن ، فإذا خلعته وتخلصت منه ، استذوقت سعادتها واستكملتها . والنفوس التي توافرت لديها أسباب الشقاوة ، إنما كان يحول بينها وبين الشعور بها ، البدن وشواغله ، فإذا ألقته جانبا ، تأذت وتألمت . ولقد ورد في عبارته ما يفيد أن كلا الصنفين من النفوس سيفارق بدنه إلى غير رجعة ، ومعنى هذا إنكار البعث الجسماني ، وما يترتب عليه من نعيم البدن وعذابه .