أبو حامد الغزالي
168
تهافت الفلاسفة
بسيط ، لا ماهية له ولا حقيقة ، ولا خبر له بما يجرى في العالم ، ولا بما يلزم ذاته ، ويصدر عنه ؟ ! ، وأي نقصان في عالم اللّه تعالى يزيد على هذا ؟ ! . وليتعجب العاقل من طائفة ، يتعمقون في المعقولات بزعمهم ، ثم ينتهى آخر نظرهم ، إلى أن رب الأرباب ، ومسبب الأسباب ، لا علم له أصلا بما يجرى في العالم ، وأي فرق بينه وبين الميت - تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا - إلا في علمه بنفسه ؟ ! ، وأي كمال في علمه بنفسه ، مع جهله بغيره ، وهذا مذهب تغنى صورته في الافتضاح عن الأطناب والإيضاح . ثم يقال لهؤلاء لم تتخلصوا من الكثرة ، مع اقتحام هذه المخازي أيضا ، فإنا نقول : علمه بذاته ، عين ذاته أو غير ذاته ؟ ! ، فإن قلتم : إنه غير ذاته ، فقد جاءت الكثرة ، وإن قلتم : إنه عين ذاته ، فما الفصل بينكم وبين قائل : إن علم الإنسان بذاته عين ذاته ، وهذه حماقة ، إذ يعقل وجود ذاته في حالة ، هو فيها غافل عن ذاته ، ثم تزول غفلته ، ويتنبه لذاته ، فيكون شعوره بذاته ، غير ذاته لا محالة . فإن قلتم : إن الإنسان قد يخلو عن العلم بذاته ، فيطرأ عليه ، فيكون غيره لا محالة . فنقول : الغيرية لا تعرف بالطريان والمقارنة ، فإن عين الشئ لا يجوز أن يطرأ على الشئ ، وغير الشئ إذا قارن الشئ ، لم يصر هو هو ، ولم يخرج عن كونه غيرا ، فبأن كان الأول لم يزل عالما بذاته لا يدل على أن علمه بذاته عين ذاته ، ويتسع الوهم لتقدير الذات ، ثم طريان الشعور ، ولو كان هو الذات بعينه ، لما تصور هذا التوهم . فإن قيل : ذاته عقل وعلم ، فليس له ذات ثم علم قائم بها . قلنا : الحماقة ظاهرة في هذا الكلام ، فإن العلم صفة وعرض يستدعى موصوفا وقول القائل : هو في ذاته عقل وعلم ، كقوله : هو قدرة وإرادة ، وهو قائم بنفسه ولو قيل به ؛ فهو كقول القائل في سواد وبياض : إنه قائم بنفسه ، وفي كمية وتربيع وتثليث ، إنه قائم بنفسه ، وكذا في كل الأعراض ، وبالطريق