أبو حامد الغزالي

16

تهافت الفلاسفة

وأوضح من هذا ، لو أنه كان يدين بما يدين به ابن سينا ؟ وهاك أيضا مثلا آخر يتضح منه موقف الغزالي تجاه خصومه . لقد وجدت الغزالي - وأنا اقرأ التهافت لإعداده للنشر في المرة الأولى - يقرر عنوان المسألة العشرين هكذا : « مسألة في إبطال إنكارهم لبعث الأجساد ، ورد الأرواح إلى الأبدان ، ووجود النار الجسمانية ، ووجود الجنة والحور العين ، وسائر ما وعد به الناس ؛ وقولهم : إن كل ذلك أمثلة ضربت لعوامّ الخلق ، لتفهيم ثواب وعقاب روحانيين ، هما أعلا رتبة من الجسمانيين » . ثم يسوق الدليل التالي على لسان الفلاسفة ، تبريرا لإنكارهم البعث الجسماني « وأما تقدير بقاء النفس وردها إلى ذلك البدن بعينه ، فهو - لو تصور - لكان معادا ؛ أي عودا إلى تدبير البدن بعد مفارقته ؛ لكنه محال ؛ إذ بدن الميت يستحيل ترابا ، أو تأكله الديدان والطيور ، ويستحيل ماء ، وبخارا ، وهواء ، ويمتزج بهواء العالم ، وبخاره ، ومائه ، امتزاجا يبعد انتزاعه واستخلاصه . ولكن إن فرض ذلك ، اتكالا على قدرة اللّه تعالى فلا يخلو : إما أن يجمع الأجزاء التي مات عليها فقط ، فينبغي أن يعاد الأقطع ، ومجدوع الأنف والأذن ، وناقص الأعضاء ، كما كان ؛ وهذا مستقبح ، لا سيما في أهل الجنة ، وهم الذين خلقوا ناقصين في ابتداء الفطرة ، فإعادتهم إلى ما كانوا عليه من الهزال عند الموت ، في غاية النكال . هذا إن اقتصر على جمع الأجزاء الموجودة عند الموت . وإن جمع جميع أجزائه التي كانت موجودة في جميع عمره ، فهو محال من وجهين : أحدهما : أن الإنسان إذا تغذى بلحم إنسان - وقد جرت العادة به في بعض البلاد ، ويكثر وقوعه في أوقات القحط - فيتعذر حشرهما جميعا ؛ لأن مادة واحدة ، كانت بدنا للمأكول ، وصارت بالغذاء بدنا للآكل ، ولا يمكن رد نفسين إلى بدن واحد . والثاني : أنه يجب أن يعاد جزء واحد ، كبدا ، وقلبا ، ويدا ، ورجلا ؛