أبو حامد الغزالي
152
تهافت الفلاسفة
« كونه عاقلا » عقله ب « كونه عاقلا » فيكون العاقل والمعقول واحدا بوجه ما ، وإن كان عقلنا يفارق عقل الأول ، فإن ما للأول بالفعل أبدا ، وما لنا يكون بالقوة تارة ، وبالفعل تارة أخرى . وإذا قيل : ( خالق ) ، ( وفاعل ) ، ( وبارئ ) ، وسائر صفات الفعل ، فمعناه أن وجوده وجود شريف ، يفيض عنه وجود الكل فيضانا لازما ، وأن وجود غيره حاصل منه وتابع لوجوده ، كما يتبع النور الشمس ، والإسخان النار ، ولا تشبه نسبة العالم إليه ، نسبة النور إلى الشمس ، إلا في كونه معلولا فقط ، وإلا فليس هو كذلك ، فإن الشمس لا تشعر بفيضان النور عنها ، ولا النار بفيضان الإسخان ، فهو طبع محض ، بل الأول عالم بذاته ، وأن ذاته مبدأ لوجود غيره ، ففيضان ما يفيض عنه معلوم له ، فليس به غفلة عما يصدر عنه ، ولا هو أيضا كالواحد منا ، إذا وقف بين مريض وبين الشمس ، فاندفع حرّ الشمس عن المريض بسببه لا باختياره ، . وأنه عالم بأن كماله في أن يفيض عنه غيره - أي الظل - ؛ وإن كان الواقف أيضا مريدا لوقوع الظل فلا يشبهه أيضا ، فإن المظل الفاعل للظل شخصه وجسمه ، والعالم الراضي بوقوع الظل نفسه لا جسمه ، وفي حق الأول ليس كذلك ، فإن الفاعل منه هو العالم ، وهو الراضي - أي أنه غير كاره له - فإنه عالم بأن كما له في أن يفيض عنه غيره . بل لو أمكن أن يفرض كون الجسم المظل نفسه ، هو العالم نفسه بوقوع الظل ، وهو الراضي ، لم يكن أيضا مساويا للأول ، فإن الأول هو العالم وهو الفاعل ، وعلمه هو مبدأ فعله ، فإن علمه بنفسه في كونه مبدأ للكل ، علة فيضان الكل ، فإن النظام الموجود تبع للنظام المعقول ، بمعنى أنه واقع به ، فكونه فاعلا غير زائد على كونه عالما بالكل ، إذ علمه بالكل علة فيضان الكل عنه ، وكونه عالما بالكل لا يزيد على علمه بذاته ، فإنه لا يعلم ذاته ، ما لم يعلم أنه مبدأ للكل ، فيكون المعلوم بالقصد الأول ذاته ، ويكون الكل معلوما عنده بالقصد الثاني ، فهذا معنى كونه فاعلا ، وإذا قيل : ( قادر ) ، لم يعن به إلا كونه فاعلا على الوجه الذي قررناه ، وهو أن وجوده وجود تفيض عنه المقدورات ، التي بفيضانها ينتظم الترتيب في الكل على أبلغ وجوه الإمكان ، في الكمال والحسن .