أبو حامد الغزالي
153
تهافت الفلاسفة
وإذا قيل : ( مريد ) ، لم يعن به إلا أن ما يفيض عنه ، ليس هو غافلا عنه ، وليس كارها له ، بل هو عالم بأن كماله في فيضان الكل عنه ، فيحسن بهذا المعنى أن يقال : هو راض ، وجاز أن يقال للراضى : إنه مريد ، فلا تكون الإرادة إلا عين القدرة ، ولا القدرة إلا عين العلم ، ولا العلم إلا عين الذات ، فالكل إذن يرجع إلى عين الذات ، وهذا لأن علمه بالأشياء ، ليس مأخوذا من الأشياء ، وإلا لكان مستفيدا وصفا أو كمالا من غيره ، وهو محال في واجب الوجود ، ولكن علمنا على قسمين ، ( علم ) شئ حصل من صورة ذلك الشئ ، كعلمنا بصورة السماء والأرض ، ( وعلم ) اخترعناه ، كشىء لم نشاهد صورته ، ولكن صورناه في أنفسنا ، ثم أحدثناه ، فيكون وجود الصورة مستفادا من العلم ، لا العلم من الوجود ، وعلم الأول بحسب القسم الثاني ، فإن تمثل النظام في ذاته ، سبب لفيضان النظام عن ذاته ، نعم لو كان مجرد حضور صورة نقش أو كتابة خط في نفوسنا ، كافيا في حدوث تلك الصورة ، لكان العلم بعينه منا ، هو القدرة بعينها ، والإرادة بعينها ، ولكنا لقصورنا ليس يكفى تصورنا ، لإيجاد الصورة ، بل نحتاج مع ذلك إلى إرادة متجددة ، تنبعث من قوة شوقية ، ليتحرك منهما معا القوة المحركة للعضل والأعصاب ، في الأعضاء الآلية ، فيتحرك بحركة العضل والأعصاب ، اليد أو غيرها ، ويتحرك بحركتها ، القلم أو آلة أخرى خارجة ، وتتحرك المادة بحركة القلم ، كالمداد أو غيره ، ثم تحصل الصورة المتصورة في نفوسنا ، فلذلك لم يكن نفس وجود هذه الصورة في نفوسنا ، قدرة ولا إرادة ، بل كانت القدرة فينا عن المبدأ المحرك للعضل ، وهذه الصورة محركة لذلك المحرك للعضل ، الذي هو مبدأ القدرة ، وليس كذلك في واجب الوجود ، فإنه ليس مركبا من أجسام تنبث القوى في أطرافها ، فكانت القدرة ، والإرادة ، والعلم ، والذات ، منه واحدا ، وإذا قيل له : ( حي ) ، لم يرد به إلا أنه عالم علما ، يفيض عنه الوجود ، الذي يسمى فعلا له ، فإن الحي هو الفعال الدراك ، فيكون المراد به ذاته مع إضافة إلى الأفعال ، على الوجه الذي ذكرناه ، لا كحياتنا ، فإنها لا تتم إلا بقوتين مختلفتين ، ينبعث عنهما الإدراك والفعل ، فحياته عين ذاته