أبو حامد الغزالي

15

تهافت الفلاسفة

ثالثا : « وتحقيقه أن يقال : لم لم يحدث العالم قبل حدوثه ؟ لا يمكن أن يحال ذلك على عجزه عن الإحداث ، ولا على استحالة الحدوث ؛ فإن ذلك يؤدى إلى أن ينقلب القديم من العجز إلى القدرة ، والعالم من الاستحالة إلى الإمكان ، وكلاهما محال . ولا يمكن أن يقال : لم يكن قبله غرض ثم تجدد غرض ، ولا يمكن أن يحال على فقد آلة ، ثم على وجودها . بل أقرب ما يتخيل أن يقال : لم يرد وجوده قبل ذلك ، فيلزم أن يقال : حصل وجوده لأنه صار مريدا لوجوده بعد أن لم يكن مريدا ، فتكون قد حدثت الإرادة . وحدوثه في ذاته محال ؛ لأنه ليس محل الحوادث . وحدوثه لا في ذاته لا يجعله مريدا . ولنترك النظر في محل حدوثه ، أليس الإشكال قائما في أصل حدوثه ؟ وأنه من أين حدث ؟ ولم حدث الآن ولم يحدث قبله ؟ أحدث الآن لا من جهة اللّه ؟ فإن جاز حادث من غير محدث ، فليكن العالم حادثا لا صانع له ، وإلا فأي فرق بين حادث وحادث ؟ وإن حدث بإحداث اللّه ، فلم حدث الآن ولم يحدث قبل ؟ ألعدم آلة ، أو قدرة ، أو غرض ، أو طبيعة ، فلما أن تبدل ذلك بالوجود حدث ؟ عاد الإشكال بعينه . أو لعدم الإرادة ؟ فتفتقر الإرادة إلى إرادة ، وكذا الإرادة الأولى ، ويتسلسل إلى غير نهاية . فإذن تحقق بالقول المطلق ، أن صدور الحادث من القديم ، من غير تغير أمر من القديم - في قدرة ، أو آلة ، أو وقت ، أو غرض ، أو طبع - محال . وتقدير تغير حال محال ؛ لأن الكلام في ذلك التغير الحادث كالكلام في غيره ، والكل محال . ومهما كان العالم موجودا واستحال حدوثه ، ثبت قدمه لا محالة » . ذلك هو عرض ابن سينا لدليل قومه ، وهذا هو عرض الغزالي لدليل خصمه ، فأيهما أوضح وأدق ؟ وهل كان الغزالي يستطيع أن يعرض الدليل في صورة أدق