أبو حامد الغزالي
149
تهافت الفلاسفة
بل زعموا : أن التوحيد لا يتم ، إلا بإثبات الوحدة لذات الباري سبحانه من كل وجه ، وإثبات الوحدة ، بنفي « 1 » الكثرة من كل وجه ، والكثرة تتطرق إلى الذوات من خمسة أوجه : الأول : بقبول الانقسام فعلا ، أو وهما ، فلذلك لم يكن الجسم الواحد ، واحدا مطلقا ، فإنه واحد بالاتصال القائم القابل للزوال ، فهو منقسم في الوهم بالكمية ، وهذا محال في المبدأ الأول . الثاني : أن ينقسم الشئ في العقل إلى معنيين مختلفين ، لا بطريق الكمية ، كانقسام الجسم إلى الهيولى والصورة ، فإن كل واحد من الهيولى والصورة ، وإن كان لا يتصور أن يقوم بنفسه دون الآخر ، فهما شيئان مختلفان بالحد والحقيقة ، يحصل من مجموعهما شئ واحد هو الجسم ، وهذا أيضا منفى عن اللّه سبحانه وتعالى ، فلا يجوز أن يكون الباري سبحانه صورة في جسم ، ولا هيولى لجسم ، ولا مجموعهما . أما منع مجموعهما فلعلتين : إحداهما أنه منقسم بالكمية عند التجزئة ، فعلا أو وهما . والثانية أنه منقسم بالمعنى إلى الصورة والهيولى . ولا يكون مادة ، لأنها تحتاج إلى الصورة ، وواجب الوجود مستغن من كل وجه ، فلا يجوز أن يرتبط وجوده بشئ آخر سواه . ولا يكون صورة ، لأنها تحتاج إلى مادة . الثالث : الكثرة بالصفات ، بتقدير العلم والقدرة والإرادة ، فإن هذه الصفات إن كانت واجبة الوجود ، كان وجوب الوجود مشتركا بين الذات ، وبين هذه الصفات ، ولزمت كثرة في واجب الوجود ، وانتفت الوحدة . الرابع : كثرة عقلية تحصل بتركب الجنس والفصل ، فإن السواد سواد « 2 » ولون ، والسوادية غير اللونية في حق العقل ، بل اللونية جنس ، والسوادية فصل ، فهو مركب من جنس وفصل ، والحيوانية غير الإنسانية « 3 » في العقل ، فإن الإنسان حيوان وناطق ، والحيوان جنس ، والناطق فصل ، وهو مركب من
--> ( 1 ) يعنى « يكون بنفي . . . إلخ » . ( 2 ) كذا في النسخ . ولعلها « سوادية » . ( 3 ) كذا في النسخ . وصوابها « الناطقية » .