أبو حامد الغزالي
150
تهافت الفلاسفة
الجنس والفصل ، وهذا نوع كثرة . فزعموا : أن هذا أيضا منفى عن المبدأ الأول . الخامس ، كثرة تلزم من جهة تقدير ماهية ، وتقدير وجود لتلك الماهية ، فإن للإنسان ماهية قبل الوجود ، والوجود يرد عليها ، ويضاف إليها ، وكذا المثلث مثلا ، له ماهية وهي أنه شكل تحيط به ثلاثة أضلاع ، وليس الوجود جزءا من ذات هذه الماهية ، مقوما لها ، ولذلك يجوز أن يدرك العاقل ماهية الإنسان ، وماهية المثلث ، وليس يدرى أن لهما وجودا في الأعيان أم لا ، ولو كان الوجود مقوّما لماهيته لما تصور ثبوت ماهيته في العقل قبل وجوده . فالوجود مضاف إلى الماهية ، سواء كان لازما بحيث لا تكون تلك الماهية إلا موجودة ، كالسماء ، أو عارضا بعد ما لم يكن ، كماهية الإنسان في زيد وعمرو ، وماهية الأعراض والصور الحادثة . فزعموا : أن هذه الكثرة أيضا يجب أن تنفى عن الأول ، فيقال : ليست له ماهية ، الوجود مضاف إليها ، بل الوجود الواجب له كالماهية لغيره ، فالوجود الواجب ماهية ، وحقيقة كلية ، وطبيعة حقيقية ، كما أن الإنسان ، والشجرة ، والسماء ، ماهية ، إذ لو ثبت له ماهية ، لكان الوجود الواجب لازما لتلك الماهية ، غير مقوم لها ، واللازم تابع ومعلول ، فيكون الوجود الواجب معلولا ، وهو مناقض لكونه واجبا . ومع هذا فإنهم يقولون في الباري تعالى : إنه مبدأ ، وأول ، وموجود ، وجوهر ، وواحد ، وقديم ، وباق ، وعالم ، وعقل ، وعاقل ، ومعقول ، وفاعل ، وخالق ، ومريد ، وقادر ، وحي ، وعاشق ، ومعشوق ، ولذيذ ، ومتلذذ ، وجواد ، وخير محض ، وزعموا : أن كل ذلك عبارة عن معنى واحد ، لا كثرة فيه ، وهذا من العجائب . فينبغي أن نحقق مذهبهم للتفهيم أولا ، ثم نشتغل بالاعتراض ، فإن الاعتراض على المذهب ، قبل تمام التفهيم ، رمى في عماية . والعمدة في فهم مذهبهم ، أنهم يقولون : ذات المبدأ الأول واحدة ، وإنما