أبو حامد الغزالي
148
تهافت الفلاسفة
في وقتين ، أو السواد والحركة في محل واحد في وقت واحد ، هما اثنان لاختلاف ذاتيهما ، أما إذا لم تختلف الذاتان كالسوادين ، ثم اتحد الزمان والمكان ، لم يعقل التعدد ، ولو جاز أن يقال : في وقت واحد ، في محل واحد سوادان ، لجاز أن يقال في حق كل شخص : إنه شخصان ، ولكن ليس يتبين بينهما مغايرة . وإذا استحال التماثل من كل وجه ، ولا بد من الاختلاف ، ولم يكن بالزمان ولا بالمكان ، فلا يبقى إلا الاختلاف في الذات . ومهما اختلفا في شئ ، فلا يخلو ، إما أن يشتركا في شئ ، أو لا يشتركا في شئ ، فإن لم يشتركا في شئ فهو محال ، إذ يلزم أن لا يشتركا في الوجود ، ولا في وجوب الوجود ، ولا في كون كل واحد قائما بنفسه لا في موضوع . فإذا اشتركا في شئ ، واختلفا في شئ ، كان ما فيه الاشتراك غير ما فيه الاختلاف ، فيكون ثمّ تركب وانقسام بالقول . وواجب الوجود لا تركيب فيه ، وكما لا ينقسم بالكمية ، فلا ينقسم أيضا بالقول الشارح ، إذ لا تتركب ذاته من أمور ، يدل القول الشارح على تعددها ، كدلالة الحيوان والناطق ، على ما تقوم به ماهية الإنسان ، فإنه حيوان وناطق ، ومدلول لفظ الحيوان من الإنسان ، غير مدلول لفظ الناطق ، فيكون الإنسان متركبا من أجزاء ، تنتظم في الحد بألفاظ ، تدل على تلك الأجزاء ، ويكون اسم الإنسان لمجموعها ، وهذا لا يتصور في واجب الوجود ، ودون هذا لا تتصور الاثنينية . والجواب : أنه مسلم أنه لا تتصور الاثنينية ، إلا بالمغايرة في شئ ما ، وأن المتماثلين من كل وجه ، لا يتصور تغايرهما ، ولكن قولكم : إن هذا النوع من التركيب محال في المبدأ الأول ، تحكم محض ، فما البرهان عليه ؟ ! . ولنرسم هذه المسألة على حيالها ، فإن من كلامهم المشهور ، أن المبدأ الأول لا ينقسم بالقول الشارح ، كما لا ينقسم بالكمية ، وعلى هذا ينبنى إثبات وحدانية اللّه تعالى عندهم . * * *