أبو حامد الغزالي
147
تهافت الفلاسفة
فأي معنى لقول القائل : إن ما لا علة له ، لا علة له إما لذاته أو لعلة ، إذ قولنا : لا علة له ، سلب محض ، والسلب المحض ، لا لكون له علة ولا سبب ، ولا يقال فيه : إنه لذاته أو لا لذاته . وإن عنيتم بوجوب الوجود ، وصفا ثابتا لواجب الوجود ، سوى أنه موجود لا علة لوجوده ، فهو غير مفهوم في نفسه ، والذي ينسبك « 1 » من لفظه ، نفى العلة لوجوده ، وهو سلب محض ، لا يقال فيه : إنه لذاته أو لعلة ؟ ! ، حتى يبنى على وضع هذا التقسيم غرض . فدل أن هذا برهان من خرف « 2 » لا أصل له . بل نقول : إن معنى قولكم : إنه واجب الوجود ، أنه لا علة لوجوده ، ولا علة لكونه بلا علة ، وليس كونه بلا علة معللا أيضا بذاته ، بل لا علة لوجوده ، ولا علة لكونه بلا علة أصلا . كيف ؟ ! ، وهذا التقسيم لا يتطرق إلى بعض صفات الإثبات ، فضلا عما يرجع إلى السلب ، إذ لو قال قائل : السواد لون لذاته أو لعلة ؟ ! ، فإن كان لذاته ، لزم أن لا تكون الحمرة لونا ، وأن لا يكون هذا النوع - أعنى اللونية - إلا لذات السواد ، وإن كان السواد لونا لعلة ، جعلته لونا ، فينبغي أن يعقل سواد ليس بلون ، أي لم تجعله العلة لونا ، فإن ما يثبت للذات ، زائدا على الذات لعلة ، يمكن تقدير عدمه في الوهم ، وإن لم يتحقق في الوجود ، ولكن يقال : هذا التقسيم خطأ في الوضع ، فلا يقال للسواد : إنه لون لذاته ، قولا يمنع أن يكون ذلك لغير ذاته ، فكذلك لا يقال : إن هذا الموجود واجب لذاته ، أي لا علة له لذاته ، قولا يمنع أن يكون ذلك لغير ذاته بحال . مسلكهم الثاني : أن قالوا : لو فرضنا واجبي الوجود ، لكانا متماثلين من كل وجه ، أو مختلفين ، فإن كان متماثلين من كل وجه ، فلا يعقل التعدد والأثنينية ، إذ السودان هما اثنان ، إذا كانا في محلين ، أو في محل واحد ، ولكن
--> ( 1 ) كذا . وفي بعض النسخ « يتمسك » : وكلتا المادتين نابيتان هنا ، والأولى « يستفاد » : ( 2 ) الخرف بفتحتين فساد العقل من الكبر بفتح الباء ، وبابه « طرب » .