أبو حامد الغزالي

139

تهافت الفلاسفة

وكذلك يلزم من كونه عاقلا لنفسه ، ولصانعه ، شيئان آخران ، وهذا إذا قيل في إنسان ضحك منه ، فكذا في موجود آخر ؛ إذ إمكان الوجود قضية لا تختلف باختلاف ذات الممكن ، إنسانا كان أو ملكا أو فلكا ، فلست أدى كيف يقنع المجنون من نفسه بمثل هذه الأوضاع ، فضلا عن العقلاء الذين يشقون الشعر بزعمهم في المعقولات . فإن قال قائل : فإذا أبطلتم مذهبهم ، فماذا تقولون أنتم ؟ ؛ ، أتزعمون أنه يصدر من الشئ الواحد من كل وجه ، شيئان مختلفان ، فتكابرون العقول ؟ ! ، أو تقولون : المبدأ الأول فيه كثرة ، فتتركون التوحيد ؟ ! ، أو تقولون : لا كثرة في العالم ، فتنكرون الحس ؟ ! ، أو تقولون : لزمت بالوسائط ، فتضطرون إلى الاعتراف بما قالوه ؟ ؛ ، قلنا : نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض ممهد ، وإنما غرضنا أن نشوش دعاويهم ، وقد حصل ، على أنا نقول : ومن زعم أن المصير إلى صدور اثنين من واحد ، مكابرة للمعقول ، أو اتصاف المبدأ بصفات قديمة أزلية ، مناقض من واحد ، مكابرة للمعقول ، أو اتصاف المبدأ بصفات قديمة أزلية ، مناقض للتوحيد ؟ ! ، فهاتان دعويان باطلتان ، لا برهان لهم عليهما ، فإنه ليس يعرف استحالة صدور اثنين من واحد ، كما يعرف استحالة كون الشخص الواحد في مكانين ، وعلى الجملة لا يعرف بالضرورة ولا بالنظر ، وما المانع من أن يقال : المبدأ الأول عالم مريد قادر ، يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، يخلق المختلفات ، والمتجانسات ، كما يريد ، وعلى ما يريد ؟ ! ، فاستحالة هذا لا تعرف بضرورة العقل ولا نظره ، وقد وردت به الأنبياء المؤيدون بالمعجزات ، فيجب قبوله . وأما البحث عن كيفية صدور الفعل من اللّه تعالى بالإرادة ، ففضول وطمع في غير مطمع ، والذين طمعوا في طلب المناسبة ومعرفتها ، رجع حاصل نظرهم إلى أن المعلول الأول ، من حيث إنه ممكن الوجود ، صدر منه فلك ، ومن حيث