أبو حامد الغزالي
138
تهافت الفلاسفة
إلا أن يقول : إنه يستحيل ، فنقول : لم يستحيل ؟ ؛ وما المردّ والفيصل مهما جاوزنا الواحد ، واعتقدنا أنه يجوز أن يلزم المعلول الأول - لا من جهة العلة - لازم واثنان وثلاثة ؟ ! ، فما المحيل لأربعة وخمسة وهكذا إلى الألف ؟ ! وإلا فمن يتحكم بمقدار دون مقدار ؟ ؛ ، فليس بعد مجاوزة الواحد مرد ، وهذا أيضا قاطع ثم نقول : هذا أيضا باطل بالمعلول الثاني ، فإنه صدر منه فلك الكواكب ، وفيه من الكواكب المعروفة المسماة ، ألف ونيف ومائتا كوكب ، وهي مختلفة العظم ، والشكل ، والوضع ، واللون ، والتأثير ، والنحوسة ، والسعادة ؛ فبعضها على صورة الحمل والثور والأسد ، وبعضها على صورة الإنسان ، ويختلف تأثيرها في محل واحد من العالم السفلى ، من التبريد والتسخين ، والسعادة والنحوسة ، وتختلف مقاديرها في ذاتها . فلا يمكن أن يقال : الكل نوع واحد ، مع هذا الاختلاف ؛ ولو جاز هذا لجاز أن يقال : كل أجسام العالم نوع واحد في الجسمية ، فتكفيها علة واحدة ، فإن كان اختلاف صفاتها وجواهرها ، وطبائعها ؛ دل على اختلافها ، فكذا الكواكب مختلفة لا محالة ، ويفتقر كل واحد إلى علة لصورته ، وعلة لهيولاه ، وعلة لاختصاصه بطبيعته المسخنة أو المبردة ، أو المسعدة أو المنحسة ، وعلة لاختصاصه بموضعه ، ثم لاختصاص جملتها بأشكال البهائم المختلفة ، وهذه الكثرة إن تصور أن تعقل في المعلول الثاني ، تصور في المعلول الأول ووقع الاستغناء . الاعتراض الخامس : هو أنا نقول : سلمنا لكم هذه الأوضاع الباردة ، والتحكمات الفاسدة ، ولكن كيف لا تستحيون من قولكم : إن كون المعلول الأول ممكن الوجود ، اقتضى وجود جرم القلك الأقصى منه ، وعقله نفسه ، اقتضى وجود نفس الفلك منه ، وعقله الأول اقتضى وجود عقل الفلك منه ؛ وما الفصل بين قائل هذا ، وبين قائل - عرف وجود إنسان غائب ، وأنه ممكن الوجود ، وأنه يعقل نفسه ، وصانعه - فقال : يلزم من كونه ممكن الوجود وجود فلك ، فيقال : وأي مناسبة بين كونه ممكن الوجود ، وبين وجود فلك منه ؟ ! ،