أبو حامد الغزالي
137
تهافت الفلاسفة
الوضع ، لا يفارقان وضعهما ، وأجزاء المنطقة يختلف وضعها ، فلا يخلو : إما أن تكون جميع أجزاء الفلك الأقصى متشابهة ، فلم لزم تعيّن نقطتين من بين سائر النقط لكونهما قطبين ؟ ! . أو أجزاؤه مختلفة ، ففي بعضها خواص ليست في البعض ، فما مبدأ تلك الاختلافات ؟ ! ، والجرم الأقصى لم يصدر إلا من معنى واحد بسيط ، والبسيط لا يوجب إلا بسيطا ، في الشكل وهو الكرى ، ومتشابها في المعنى وهو الخلو عن الخواص المميزة ، وهذا أيضا لا مخرج منه . فإن قيل : لعل في المبدأ أنواعا من الكثرة لازمة ، لا من جهة المبدأ ، وإنما ظهر لنا ثلاثة أو أربعة والباقي لم نطلع عليه ، وعدم عثورنا على عينه ، لا يشككنا في أن مبدأ الكثرة كثرة ، وأن الواحد لا يصدر عنه كثير . قلنا : فإذا جوّز تم هذا ، فقولوا . إن الموجودات كلها على كثرتها - وقد بلغت آلافا - صدرت من المعلول الأول ، فلا يحتاج أن يقتصر على جرم الفلك الأقصى ونفسه ، بل يجوز أن يكون قد صدرت منه جميع النفوس الفلكية ، والإنسانية ، وجميع الأجسام الأرضية ، والسماوية . بأنواع كثيرة لازمة فيها ، لم تطلعوا عليها فيقع الاستغناء بالمعلول الأول . ثم يلزم منه الاستغناء بالعلة الأولى ، فإنه إذا جاء تولد كثرة ، يقال : إنها لازمة لا بعلة ، مع أنها ليست ضرورية في وجود المعلول الأول ، جاز أن يقدر ذلك مع العلة الأولى ، ويكون وجودها لا بعلة ، ويقال : إنها لزمت ولا يدرى عددها ، وكلما تخيل وجودها بلا علة مع الأول ، تخيل ذلك بلا علة مع الثاني ، بل لا معنى لقولنا مع الأول والثاني ، إذ ليس بينهما مفارقة في زمان ولا في مكان ، فما لا يفارقهما في زمان ولامكان ، ويجوز أن يكون موجودا بلا علة ، لم يختص أحدهما بالإضافة إليه . فإن قيل لقد كثرت الأشياء حتى زادت على ألف ، ويبعد أن تبلغ الكثرة في المعلول الأول إلى هذا الحد ، فلذلك أكثرنا الوسائط . قلنا : قول القائل : « يبعد » هذا رجم ظن ، لا يحكم به من المعقولات ،