أبو حامد الغزالي
136
تهافت الفلاسفة
فليكن كذلك في المبدأ الأول ، ويلزم منه كثرة ، ويلزم منه تربيع لا تثليث بزعمهم ، وهو : ذاته ، وعقله نفسه ، وعقله مبدأه ، وأنه ممكن الوجود بذاته ! ويمكن أن يزاد أنه واجب الوجود بغيره ، فيظهر تخميس . ويهذا يعرف تعمق هؤلاء في الهوس . الاعتراض الرابع أن نقول : : التثليث لا يكفى في المعلول الأول ، فإن جرم السماء الأولى ، لزم عندهم من معنى واحد ، من ذات المبدأ ، وفيه تركيب من ثلاثة أوجه : - أحدها أنه مركب من صورة وهيولى ، وهكذا كل جسم عندهم ، فلا بد لكل واحدة منهما من مبدأ ، إذ الصورة تخالف الهيولى ، وليست كل واحدة على مذهبهم علة مستقلة للأخرى حتى يكون أحدهما بواسطة الآخر ، من غير علة أخرى زائدة عليها . الثاني أن الجرم الأقصى على حد مخصوص في الكبر ، واختصاصه بذلك القدر من بين سائر المقادير ، زائد على وجود ذاته ، إذ كان ذاته ممكنا أصغر مما هو عليه ، وأكبر ، فلا بد له من مخصص بذلك المقدار ، زائد على المعنى البسيط الموجب لوجوده لا كوجود العقل ، لأن العقل وجود محض ، لا يختص بمقدار ، مقابل لسائر المقادير ، فيجوز أن يقال : العقل لا يحتاج إلا إلى علة بسيطة . فإن قيل : سببه أنه لو كان أكبر منه لكان مستغنى عنه في تحصيل النظام الكلى ، ولو كان أصغر منه لم يصلح للنظام المقصود . فنقول : وتعيّن جهة النظام هل هو كاف في وجود ما فيه النظام ، أم يفتقر إلى علة موجودة ؟ ؛ فإن كان كافيا فقد استغنيتم عن وضع العلل ، فأحكموا بأن كون النظام في هذه الموجودات ، اقتضى هذه الموجودات بلا علة زائدة ، وإن كان ذلك لا يكفى ، بل افتقر إلى علة ، فذلك أيضا لا يكفى للاختصاص بالمقادير ، بل يحتاج أيضا إلى علة التركيب . الثالث : أن الفلك الأقصى انقسم إلى نقطتين ، هما القطبان ، وهما ثابتا