أبو حامد الغزالي

130

تهافت الفلاسفة

إذ لا موجود مع اللّه تعالى في رتبته ، فالكلام في حدوث الآلة الأولى ، فلم يبق إلا أن تكون الكثرة في العالم صادرة عن اللّه تعالى بطريق التوسط كما سبق . قلنا : فيلزم من هذا أن لا يكون في العالم شئ واحد مركب من أفراد ، بل تكون الموجودات كلها أحادا ، وكل واحد معلولا لواحد آخر فوقه ، وعلة لآخر تحته ، إلى أن ينتهى إلى معلول لا معلول له ، كما انتهى في جهة التصاعد إلى علة لا علة لها ، وليس كذلك ، فإن الجسم عندهم مركب من صورة وهيولى ، وقد صار باجتماعهما شيئا واحدا ، والإنسان مركب من جسم ونفس ، وليس وجود أحدهما من الآخر ، بل وجودهما جميعا من علة أخرى ، والفلك عندهم كذلك ، فإنه جرم ذو نفس ، لم تحدث النفس بالجرم ، ولا الجرم بالنفس ، بل كلاهما صادران من علة سواهما . فكيف وجدت هذه المركبات ، أمن علة واحدة ؟ ! ، فيبطل قولهم : لا يصدر من الواحد إلا واحد ، أو من علة مركبة ؟ ! ، فيتوجه السؤال في تركيب العلة ، إلى أن يلتقى - بالضرورة - مركب ببسيط ، فإن المبدأ بسيط ، وفي الآخر تركيب ، ولا يتصور ذلك إلا بالالتقاء ، وحيث يقع التقاء يبطل قولهم : إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد . فإن قيل : إذا عرف مذهبنا ، اندفع الإشكال ؛ فإن الموجودات تنقسم : إلى ما هي في محال ، كالأعراض والصور ؛ وإلى ما ليست في محال ؛ وهذه تنقسم : إلى ما هي محال لغيرها كالأجسام ، وإلى ما ليست بمحال ، كالموجودات التي هي جواهر قائمة بأنفسها ، وهي تنقسم إلى ما يؤثر في الأجسام ونسميها نفوسا ، وإلى ما لا يؤثر في الأجسام ، بل في النفوس ، ونسميها عقولا مجردة . أما الموجودات التي تحل في المحال كالأعراض ، فهي حادثة ، ولها علل حادثة ، وتنتهى إلى مبدأ هو حادث من وجه دائم من وجه ، وهو الحركة الدورية وليس الكلام فيها . وإنما الكلام في الأصول القائمة بأنفسها لا في محال ، وهي ثلاثة : أجسام ، وهي أخسها . وعقول مجردة ، وهي التي لا تتعلق بالأجسام ، لا بالعلاقة الفعلية ، ولا بالانطباع فيها ، وهي أشرفها . ونفوس ، وهي أوسطها ،