أبو حامد الغزالي

131

تهافت الفلاسفة

فإنها تتعلق بالأجسام نوعا من التعلق ، وهو التأثير والفعل فيها ، فهي متوسطة في الشرف ، فإنها تتأثر عن العقول ، وتؤثر في الأجسام . ثم الأجسام عشرة ، تسع سماوات ، والعاشر المادة التي هي حشو مقعر فلك القمر ، والسماوات التسع حيوانات لها أجرام ونفوس ، ولها ترتيب في الوجود كما نذكره . وهو أن المبدأ الأول فاض من وجوده العقل الأول ، وهو موجود قائم بنفسه ، ليس بجسم ولا منطبع في جسم ، يعرف نفسه ويعرف مبدأه ، وقد سميناه العقل الأول ، ولا مشاحة في الأسامى - يسمى ملكا أو عقلا أو ما أريد - ويلزم عن وجوده ثلاثة أمور : عقل ، ونفس الفلك الأقصى - وهو السماء التاسعة - وجرم الفلك الأقصى ؛ ثم لزم من العقل الثاني : عقل ثالث ، ونفس فلك الكواكب ، وجرمه ؛ ثم لزم من العقل الثالث : عقل رابع ، ونفس فلك زحل ، وجرمه ؛ ولزم من العقل الرابع : عقل خامس ، ونفس فلك المشترى ، وجرمه : وهكذا ، حتى انتهى إلى العقل الذي لزم منه : عقل ، ونفس فلك القمر ، وجرمه . والعقل الأخير هو الذي يسمى العقل الفعّال ؛ ولزم حشو فلك القمر - وهي المادة القابلة للكون والفساد - من العقل الفعال وطبائع الأفلاك . ثم إن المواد تمتزج بسبب حركات الكواكب ، امتزاجات مختلفة ، تحصل منها المعادن والنبات والحيوانات . ولا يلزم أن يلزم من كل عقل عقل إلى غير نهاية ، لأن هذه العقول مختلفة الأنواع ، فما ثبت لواحد لا يلزم للآخر . فيخرج منه أن العقول بعد المبدأ الأول عشرة والأفلاك تسعة ، ومجموع هذه المبادئ الشريفة - بعد المبدأ الأول - تسعة عشر . وحصل منه : أن تحت كل عقل من العقول الأول « 1 » ثلاثة أشياء ؛ عقل ، ونفس فلك ، وجرمه ! فلا بد أن يكون في مبدئه تثليث لا محالة ؛ ولا تتصور كثرة في المعلول الأول إلا من وجه واحد ، وهو أنه يعقل مبدأه ، ويعقل نفسه ، وهو باعتبار ذاته ممكن

--> ( 1 ) يريد بالعقول الأول ما عدا العقل العاشر .