أبو حامد الغزالي
129
تهافت الفلاسفة
الوجه الثالث في استحالة كون العالم فعلا للّه تعالى على أصلهم ، لشرط مشترك بين الفاعل والفعل ، وهو أنهم قالوا : لا يصدر من الواحد إلا شئ واحد ؛ والمبدأ الأول واحد من كل وجه ، والعالم مركب من مختلفات ، فلا يتصور أن يكون فعلا للّه تعالى بموجب أصلهم . فإن قالوا : العالم بجملته ليس صادرا من اللّه تعالى بغير واسطة ، بل الصادر عنه موجود واحد ، هو أول المخلوقات ، وهو عقل مجرد ، أي هو جوهر مجرد ، قائم بنفسه ، غير متحيز ، يعرف نفسه ، ويعرف مبدأه ، ويعبر عنه في لسان الشرع بالملك ، ثم يصدر منه ثالث ، ومن الثالث رابع ، وتكثر الموجودات بالتوسط . فان اختلاف الفعل وكثرته : إما أن يكون لاختلاف القوى الفاعلة كما أنا نفعل بقوة الشهوة خلاف ما نفعله بقوة الغضب . وإما أن يكون لاختلاف المواد ، كما أن الشمس تبيّض الثوب المغسول ، وتسوّد وجه الإنسان ، وتذيب بعض الجواهر ، وتصلّب بعضها . وإما لاختلاف الآلات ، كالنجار الواحد ، ينشر بالمنشار ، وينحت بالقدوم ، ويثقب بالمثقب . وإما أن تكون كثرة الفعل بالتوسط ، بأن يفعل فعلا واحدا ، ثم ذلك الفعل يفعل غيره فيكثر الفعل . وهذه الأقسام كلها محالة ، في المبدأ الأول ، إذ ليس في ذاته اختلاف ، ولا أثنينية ، ولا كثرة ، كما سيأتي في أدلة التوحيد ، ولا ثمت اختلاف مواد ، فإن الكلام في المعلول الأول الذي هو المادة الأولى مثلا ، ولا ثمت اختلاف آلات