أبو حامد الغزالي

127

تهافت الفلاسفة

بالعدم - فالوجود الذي ليس مسبوقا بعدم ، بل هو دائم ، لا يصلح أن يكون فعلا للفاعل ، وليس كل ما يشترط في كون الفعل فعلا ينبغي أن يكون بفعل الفاعل ، فإن ذات الفاعل وعلمه وإرادته وقدرته ، شرط في كونه فاعلا ، وليس ذلك من أثر الفاعل ، ولكن لا يعقل فعل إلا من موجود ، فكان وجود الفاعل وعلمه وإرادته وقدرته شرطا ، ليكون فاعلا ، وإن لم يكن من أثر الفاعل . فان قيل : اعترفتم بجواز كون الفعل مع الفاعل غير متأخر عنه ، فيلزم منه أن يكون الفعل حادثا ، إن كان الفاعل حادثا ، وقديما إن كان قديما ، وإن اشترطتم أن يتأخر الفعل عن الفاعل بالزمان فهذا محال ، إذ من حرّك اليد في ماء ، تحرك الماء مع حركة اليد ، لا قبلها ولا بعدها ، إذ لو تحرك بعدها ، لكانت اليد مع الماء قبل تنحيّه في حيز واحد ، ولو تحرك قبلها ، لا نفصل الماء عن اليد . وهو مع كونه معه معلولها ، وفعل من جهتها ، فإن فرضنا اليد قديمة في الماء متحركة ، كانت حركة الماء أيضا دائمة ، وهي مع دوامها معلولة ومفعولة ، ولا يمتنع ذلك بفرض الدوام ، فكذلك نسبة العالم إلى اللّه تعالى . قلنا : لا نحيل أن يكون الفعل مع الفاعل ، بعد كون الفعل حادثا ، كحركة الماء ، فإنها حادثة عن عدم ، فجاز أن يكون فعلا ، ثم سواء كان متأخرا عن ذات الفاعل ، أو مقارنا له . وإنما نحيل الفعل القديم ، فإن ما ليس حادثا عن عدم ، فتسميته فعلا مجاز مجرد لا حقيقة له . وأما المعلول مع العلة فيجوز أن يكونا حادثين ، وأن يكونا قديمين ، كما يقال : إن العلم القديم علة لكون القديم سبحانه عالما ، ولا كلام فيه ، وإنما الكلام فيما يسمى فعلا ، ومعلول العلة لا يسمى فعل العلة إلا مجازا ، بل ما يسمى فعلا ، فشرطه أن يكون حادثا عن عدم ، فإن تجوّز متجوّز بتسمية القديم الدائم الوجود فعلا لغيره ، كان متجوزا في الاستعارة . وقولكم : لو قدرنا حركة الماء مع الأصبع قديمة دائمة ، لم تخرج حركة الماء عن كونها فعلا ، تلبيس ، لأن الأصبع لا فعل لها فيه ، وإنما الفاعل ذو الأصبع وهو المريد ، ولو قدرناه قديما لكانت حركة الأصبع فعلا له ، من حيث إن كل جزء من الحركة حادث عن عدم ، فبهذا