أبو حامد الغزالي

12

تهافت الفلاسفة

- أيام أن كنا طلابا - إلى أستاذ الفلسفة الذي كان يدرس لنا في ذلكم الوقت نصوصا من « كتاب التهافت » يقول فيه : أليس يجوز أن يدلس الغزالي على خصومه ، فيعرض أفكارهم في صورة ركيكة مشوهة ، حتى يتأتى له ردها وإبطالها ؟ ثم كيف يسوغ أن نثق بالغزالي في تصوير آراء الفلاسفة مع أنه على خلاف شديد معهم ؟ لقد آلمني - آنذاك - هذا السؤال ، وأدخل على نفسي شيئا من الكآبة والحزن ، لم أتبين على وجه التحديد - يومئذ - سببهما . وأغلب الظن أن طبيعتي الشابة البريئة - وقتئذ طبعا - لم تستسغ أن يقال عن العلماء - وهمهم الحق والخير والجمال - إنهم يفعلون ما يفعل الأشرار الذين يختصمون على العرض الفاني ، فيلفقون الأقوال ويزورون الشهود ، إلى غير ذلك من هذيان يترفع عنه شرف العلم ، ويأباه كمال العلماء . إلا أن ثورتى الداخلية هذه - التي أبقيتها سرا بيني وبين نفسي - لم تمح معالم السؤال من ذاكرتى ، ولم تعفّ على آثاره ، خاصة وقد أجاب الأستاذ المدرس صاحب السؤال بأن بعض المستشرقين قد أثار نفس المشكلة ، ورمى الغزالي بنفس التهمة . ولقد كان في الإجابة على هذه الصورة ، ما جعل الزميل - صاحب السؤال - يُدِلُّ بسؤاله ويكبر من شأنه ، وجعلني - في الوقت ذاته - أتضاءل أمام نفسي وأفهم أن ما أضفيته على الحقيقة من سمو ، وعلى العلماء من كمال ، إنما هو من صنع الخيال ، ليس له من واقع الأمر نصيب . لقد كان لاسم « الاستشراق » ، في النفوس من الإكبار والتقديس ما يجعل من العسير على المرء أن يخالف مستشرقا في رأى يراه ، أو يراجعه فيه « 1 » . لقد مرت الأيام سراعا ، ورأيتني باحثا عن الغزالي وكاتبا عنه ، ثم ناشرا لكتاب التهافت ومعلقا عليه ، ثم مبعوثا بانجلترا ومتعرفا إلى المستشرقين عن قرب وقارئا لهم ، ثم مدرسا « كتاب التهافت » لطلاب نفس المرحلة التي كنت بها يوم أن تقدم الزميل الآنف الذكر بسؤاله ، ومدرسا - في الوقت ذاته - « كتاب الإشارات » لابن سينا في المرحلة التي دونها مباشرة .

--> ( 1 ) ولعل الإجابة على هذه الصورة كانت أنسب بمستوانا الفكري في تلكم المرحلة .