أبو حامد الغزالي
13
تهافت الفلاسفة
وكأنما أريد بوضع « كتاب الإشارات » في مرحلة دون المرحلة التي يدرس فيها « كتاب التهافت » إتاحة الفرصة لمعرفة الفكرة الفلسفية - في مصدرها الأصيل - قبل التعرض لرأى الغزالي فيها ، ليمكن التأكد من أن خصومة الغزالي للفلاسفة حملته - أو لم تحمله - على تشويه أفكارهم . ولتحقيق هذه الغاية كان لا بد لي أن أقرأ من « كتاب التهافت » مع الطلاب ، نفس المسألة أو المسائل التي سبق أن قرأتها معهم في كتاب الإشارات . وفي هذه الحدود الضيقة استطعت أن أتبين أن الغزالي - في سلوكه مع الفلاسفة - لم ينحرف بآرائهم عن وضعها الصحيح . بل إنه - على العكس من هذا - قد أضفى على الآراء الفلسفية إشراقا وصفاء لا يجدهما المرء - وهو يقرأ هذه الآراء في مصادرها الأولى - عند ابن سينا . خذ مثلا دليل الفلاسفة على استحالة حدوث العالم . اقرأ هذا الدليل كما يعرضه ابن سينا ، ثم اقرأه كما يعرضه الغزالي ، واحكم - بعد ذلك - أي العرضين أوضح وأنضر ، وأقوى وأرصن . اقرأ ابن سينا في الإشارات حيث يقول : « إن واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته وأحواله الأولية له . وأنه لم يتميز في العدم الصريح حال الأولى به فيها أن لا يوجد شيئا ، أو بالأشياء أن لا توجد عنه أصلا ؛ وحال بخلافها . ولا يجوز أن تسنح إرادة متجددة إلّا لداع ، ولا أن تسنح جزافا . وكذلك لا يجوز أن تسنح طبيعة ، أو غير ذلك ، بلا تجدد حال . وكيف تسنح إرادة لحال تجددت ، وحال ما يتجدد كحال ما يمهد له التجدد فيتجدد . وإذا لم يكن تجدد ، كانت حال ما لم يتجدد شئ ، حالا واحدة مستمرة على نهج واحد . وسواء جعلت التجدد لأمر تيسر ، أو لأمر زال ، مثلا ، كحسن من الفعل ، وقت ما تيسر ، أو معين ، أو غير ذلك ، مما عد ، أو كقبح كان يكون له ، أو كان قد زال ، أو عائق ، أو غير ذلك كان فزال . فإن كان الداعي إلى تعطيل واجب الوجود عن إفاضة الخير والجود ؛ هو