أبو حامد الغزالي
116
تهافت الفلاسفة
يتصور بقاؤها ، لأنه لو تصور بقاؤها ، لما تصور فناؤها « 1 » لهذا المعنى ، وأما الجواهر فليست باقية بأنفسها ولكنها باقية ببقاء زائد على وجودها ، فإذا لم يخلق اللّه سبحانه وتعالى البقاء ، انعدمت لعدم البقاء ، وهو أيضا فاسد . لما فيه من مناكرة المحسوس في أن السواد لا يبقى والبياض كذلك ، وأنه متجدد الوجود ، والعقل ينبو عن هذا كما ينبو عن قول القائل : إن الجسم متجدد الوجود في كل حالة ، والعقل القاضي بأن الشعر الذي على رأس الإنسان في يوم هو الشعر الذي كان بالأمس لا مثله ، يقضى أيضا به في سواد الشعر . ثم فيه إشكال آخر ، وهو أن الباقي إذا بقي ببقاء ، فيلزم أن تبقى صفات اللّه تعالى ببقاء ، وذلك البقاء يكون باقيا ، فيحتاج إلى بقاء آخر ، ويتسلسل إلى غير نهاية . والفرقة الرابعة طائفة أخرى من الأشعرية ، قالوا : إن الأعراض تفنى بأنفسها وأما الجواهر فإنها تفنى بأن لا يخلق اللّه تعالى فيها حركة ولا سكونا ، ولا اجتماعا ولا افتراقا ، فيستحيل أن يبقى جسم ليس بساكن ولا متحرك فينعدم . وكأن فرقتي الأشعرية مالوا إلى أن الإعدام ليس بفعل إنما هو كف عن الفعل ، لما لم يعقلوا كون العدم فعلا . وقالت الفلاسفة : إذا بطلت هذه الطرق ، لم يبق وجه للقول بجواز إعدام العالم . هذا « 2 » ولو قيل بأن العالم حادث ، فإنهم مع تسليمهم حدوث النفس الإنسانية يدعون استحالة انعدامها بطريق يقرب مما ذكرناه . وبالجملة : عندهم كل قائم بنفسه لا في محل ، لا يتصور انعدامه بعد
--> ( 1 ) لعل ذلك لما هو معروف عند الأشاعرة من أن العرض لا يقوم بالعرض والبقاء عرض فلا يمكن أن يقوم بالأعراض ، فلو بقيت الأعراض زمانين لكان بقاؤها بنفسها لا ببقاء زائد عليها ، وحينئذ لا يعقل فناؤها لأن ما باللذات لا يتخلف . ( 2 ) أي الحكم بعدم فناء العالم ثابت عند الفلاسفة حتى ولو قالوا : بأن العالم حادث ، لأنهم مع تسليمهم بحدوث النفس يدعون استحالة انعدامها ، وبالجملة . . . إلخ .