أبو حامد الغزالي
117
تهافت الفلاسفة
وجوده ، سواء كان قدبما أو حادثا ، فإذا قيل لهم : مهما أوقدت النار تحت الماء انعدم الماء ، قالوا لم ينعدم ، ولكن انقلب بخارا ثم ماء ، فالمادة وهي الهيولى باقية في الهواء ، وهي المادة التي كانت محلا لصورة الماء ، وإنما خلعت الهيولى صورة المائية ، ولبست صورة الهوائية ، وإذا أصاب الهواء برد ، تكثف وانقلب ماء ، لا أن مادة تجددت ، بل المادة مشتركة ببن العناصر ، وإنما تتبدل عليها صورها . الجواب : أن ما ذكرتموه من الأقسام وإن أمكن أن نذب عن كل واحد ونبين أن إبطاله على أصلكم لا يستقيم ، لاشتمال أصولكم على ما هو من جنسه ، ولكنا لا نطول به ونقتصر على قسم واحد ونقول بم تنكرون على من يقول : الإيجاد والإعدام بإرادة القادر ، فإذا أراد اللّه سبحانه وتعالى أوجد ، وإذا أراد أعدم ، وهذا معنى كونه سبحانه قادرا على الكمال ، وهو في جملة ذلك لا يتغير في نفسه ، وإنما يتغير الفعل ، وأما قولكم : إن الفاعل لا بد أن يصدر منه فعل ، فما الصادر منه ؟ ! قلنا الصادر منه ما تجدّد ، وهو العدم ، إذ لم يكن عدم ، ثم تجدّد العدم ، فهو الصادر عنه . فان قلتم : إنه ليس بشئ ، فكيف صدر عنه ؟ ! . قلنا : وهو ليس بشئ ، فكيف وقع ؟ ! وليس معنى صدوره عنه ، إلا أن ما وقع ، مضاف إلى قدرته ، فإذا عقل وقوعه ، لم لا تعقل إضافته إلى القدرة ؟ ! . وما الفرق بينكم وبين من ينكر طريان العدم أصلا على الأعراض والصور ، ويقول : العدم ليس بشئ ، فكيف يطرأ ، وكيف يوصف بالطريان والتجدّد ؟ ! ولا نشك في أن العدم يتصور طريانه على الأعراض والصور ، فالموصوف بالطريان معقول وقوعه ، سمّى شيئا أو لم يسمّ ، فإضافة ذلك الواقع المعقول إلى قدرة القادر أيضا معقول . فإن قيل : هذا إنما يلزم على مذهب من يجوز عدم الشئ بعد وجوده ، فيقال له : ما الذي طرأ ؟ ! وعندنا لا ينعدم الشئ الموجود ، وإنما معنى انعدام الأعراض طريان أضدادها ، التي هي موجودات ، لا طريان العدم المجرد الذي