أبو حامد الغزالي

115

تهافت الفلاسفة

أن يكون موجودا ، وعدم العالم ليس شيئا موجودا ، حتى يقال : هو الذي فعله الفاعل ، وأوجده الموجد . ولهذا الإشكال زعموا افتراق المتكلمين في التفصي عن هذا أربع فرق ، وكل فرقة اقتحمت محالا . أما المعتزلة فإنهم قالوا : فعله الصادر منه موجود ، وهو الفناء ، يخلقه لا في محل فينعدم العالم كله دفعة واحدة ، وينعدم الفناء المخلوق بنفسه ، حتى لا يحتاج إلى فناء آخر ، فيتسلسل إلى غير نهاية ؛ وهو فاسد من وجوه : أحدها : أن الفناء ليس موجودا معقولا ، حتى يقدر خلقه ، ثم إن كان موجودا فلم ينعدم بنفسه من غير معدم ؟ . ثم بم يعدم العالم ؟ ! ، فإنه إن خلق في ذات العالم وحل فيه فهو محال ، لأن الحال يلاقى المحلول فيه ، فيجتمعان ولو في لحظة واحدة ، فإذا جاز اجتماعهما ، لم يكونا ضدين ، فلم يفنه ، وإن خلقه لا في العالم ، ولا في محل ، فمن أين يضاد وجوده وجود العالم ؟ ! . ثم في هذا المذاهب شناعة أخرى ، وهي أن اللّه تعالى لا يقدر على إعدام بعض جواهر العالم دون بعض ، بل لا يقدر إلا على إحداث فناء ، يعدم جواهر العالم كلها ، لأنها إذا لم يكن في محل كان نسبتها إلى الكل على وتيرة واحدة . الفرقة الثانية الكرامية ، حيث قالوا : إن فعله الإعدام ، والإعدام عبارة عن موجود ، يحدثه في ذاته تعالى اللّه عن قولهم ، فيصير العالم به معدوما ، وكذلك الوجود عندهم بإيجاد يحدثه في ذاته ، فيصير الموجود ، به موجودا ، وهذا أيضا فاسد . إذ فيه كون القديم محل الحوادث . ثم خروج عن المعقول ، إذ لا يعقل من الإيجاد إلا وجود منسوب إلى إرادة وقدرة ، فإثبات شئ آخر سوى الإرادة والقدرة ، ووجود المقدور وهو العالم ، لا يعقل ، وكذا الإعدام . الفرقة الثالثة الأشعرية إذا قالوا : أما الأعراض فإنها تفنى بأنفسها ، ولا