أبو حامد الغزالي
114
تهافت الفلاسفة
الدليل الثاني لهم في استحالة عدم العالم أن قالوا : إن العالم لا تنعدم جواهره ، لأنه لا يعقل سبب معدم لها ، وما لم يكن منعدما ثم انعدم ، فلا بد أن يكون بسبب ، وذلك السبب لا يخلو ، إما « 1 » أن يكون إرادة القديم سبحانه وهو محال ، لأنه إذا لم يكن مريدا لعدمه ، ثم صار مريدا ، فقد تغير ، أو يؤدى « 2 » إلى أن يكون القديم وإرادته على نعت واحد في جميع الأحوال ، والمراد يتغير من العدم إلى الوجود ثم من الوجود إلى العدم . وما ذكرناه من استحالة وجود حادث بإرادة قديمة ، يدل على استحالة العدم . ويزيد هاهنا إشكال آخر أقوى من ذلك ، هو أن المراد فعل المريد لا محالة وكل من لم يكن فاعلا ثم صار فاعلا ، إن لم « 3 » يتغير هو في نفسه ، فلا بد أن يصير فعله موجودا بعد أن لم يكن موجودا ، فإنه لو بقي كما كان ، إذ لم يكن له فعل ، والآن أيضا لا فعل له ، فإذن لم يفعل شيئا ؛ والعدم ليس بشئ فكيف يكون فعلا ؟ ! ، فإذا أعدم العالم وتجدد له فعل لم يكن ، فما ذلك الفعل ؟ ! أهو وجود العالم ؟ ! ، وهو محال ، إذ انقطع الوجود ! أو فعله عدم العالم ؟ ! ، وعدم العالم ليس بشئ ، حتى يكون فعلا ، فإن أقل درجات الفعل
--> ( 1 ) لم يذكر مقابلها . ( 2 ) ذكر بالنسبة لإرادة القديم على أنها سبب للعدم ، احتمالين : - ( ا ) الاحتمال الأول أن تكون الإرادة قد تعلقت بعدمه بعد أن لم تكن متعلقة ثم أحال هذا بأنه يؤدى إلى التغير في القديم . ( ب ) الاحتمال الثاني أن تكون الإرادة قد تعلقت منذ الأزل بعدمه في الوقت الذي عدم فيه حتى لا يلزم تغير في القديم - وهذا الاحتمال هو ما أشار إليه بقوله « أو يؤدى » - ثم أحال هذا بأن ما استدل به في المسألة الأولى على استحالة صدور الوجود الحادث من القديم ، يدل على استحالة صدور العدم الحادث من القديم ، وفي عبارته ركة لا تخفى . ( 3 ) أي بصرف النظر عن مسألة تغير القديم وما تؤدى إليه من المحالات .