أبو حامد الغزالي

110

تهافت الفلاسفة

مسألة في أبطال قولهم في أبدية العالم والزمان والحركة ليعلم أن هذه المسألة فرع الأولى ، فإن العالم عندهم كما أنه أزلي لا بداية لوجوده ، فهو أبدى لا نهاية لآخره ، ولا يتصور فساده ولا فناؤه ، بل لم يزل كذلك ، ولا يزال أيضا كذلك . وأدلتهم الأربعة التي ذكرناها في الأزلية جارية في الأبدية ، والاعتراض كالاعتراض من غير فرق . فإنهم يقولون : إن العالم معلول ، وعلته أزلية أبدية ، فكان المعلول مع العلة ، ويقولون : إذا لم تتغير العلة لم يتغير المعلول ، وعليه بنوا منع الحدوث ، وهو بعينه جار في الانقطاع ، وهذا مسلكهم الأول . ومسلكهم الثاني : أن العالم إذا عدم فيكون عدمه بعد وجوده ، فيكون له « بعد » ففيه إثبات الزمان . ومسلكهم الثالث : أن إمكان الوجود لا ينقطع ، فكذلك الوجود الممكن يجوز أن يكون على وفق الإمكان ، إلا أن هذا الدليل لا يقوى ، فإنا نحيل أن يكون أزليا ، ولا نحيل أن يكون أبديا ، لو أبقاه اللّه تعالى أبدا ، إذ ليس من ضرورة الحادث أن يكون له آخر ، ومن ضرورة الفعل أن يكون حادثا ، وأن يكون له أول . ولم يوجب أن يكون للعالم لا محالة آخر إلا أبو الهذيل العلاف ، فإنه قال : كما يستحيل في الماضي دورات لا نهاية لها ، فكذلك في المستقبل ؛ وهو فاسد ، لأن كل المستقبل قط لا يدخل في الوجود لا متلا حقا ولا متساوقا ، والماضي قد دخل كله في الوجود متلا حقا ، وإن لم يكن متساوقا ، وإذ قد تبين