أبو حامد الغزالي
109
تهافت الفلاسفة
وانفراده عن المخلوقات الممكنة غير واجب ، فنتكلف إضافة الإمكان إليه بهذه الحيلة ، كما تكلفوه في رد الامتناع إلى ذاته بقلب عبتارة الامناع إلى الوجوب ، ثم بإضافة الانفراد إليه بنعت الوجوب . وأما العذر عن السواد والبياض بأنه لا نفس له ولا ذات منفردة ، إن عنى بذلك في الوجود فنعم ، وإن عنى بذلك في العقل فلا ، فإن العقل يعقل السواد الكلى ، ويحكم عليه بالإمكان في ذاته . ثم إن العذر باطل بالنفوس الحادثة ، فإن لها ذواتا مفردة وإمكانا سابقا على الحدوث ، وليس ثمت ما يضاف إليه ، وقولهم : إن المادة ممكن لها أن تدبرها النفوس ، فهذه إضافات بعيدة ، فإن اكتفيتم بهذه فلا يبعد أن يقال : معنى إمكان الحادث أن القادر عليه يمكن في حقه أن يحدثه ، فتكون إضافة إلى الفاعل مع أنه ليس منطبعا فيه ، كما أنه إضافة إلى البدن المنفعل مع أنه لا تنطبع فيه ، ولا فرق بين النسبة إلى الفاعل والنسبة إلى المنفعل ، إذا لم يكن انطباع في الموضعين فإن قيل : فقد عولتم في جميع الاعتراضات على مقابلة الإشكالات بالإشكالات ، ولم تحلوا ما أوردوه من الإشكالات . قلنا : المعارضة تبين فساد الكلام لا محالة ، وينحل وجه الإشكال في تقدير المعارضة والمطالبة ، ونحن لم نلتزم في هذا الكتاب إلا تكدير مذهبهم ، والتغيير في وجوه أدلتهم بما يبين تهافتهم ، ولم نتطرق للذب عن مذهب معين ، فلم نخرج لذلك عن مقصود الكتاب ، ولا نستقصى القول في الأدلة الدالة على الحدوث ، إذ غرضنا إبطال دعواهم معرفة القدم ، وأما إثبات المذهب الحق فسنصف فيه كتابا بعد الفراغ من هذا ، إن ساعد التوفيق إن شاء اللّه تعالى ، ونسميه « قواعد العقائد » « 1 » ونعتنى فيه بالإثبات كما اعتنينا في هذا الكتاب بالهدم ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) وفي الغزالي بما وعد ، إذ ألف هذا الكتاب ، وجعله فصلا من فصول كتاب « الأحياء » وبساطة المعلومات الواردة فيه مع ملاحظة أن الغزالي قد اعتبره صنوا لكتاب « التهافت » تساعد على تحديد القيمة العلمية لكتاب التهافت في نظر الغزالي . وعلى تحديد مستوى الجماعة التي ألف لها . ثم إن هذا الترابط الوثيق بين الكتابين يفسر لناقول الغزالي آنفا « وبجنسه - أي علم الكلام - يتعلق الكتاب التي صنفناه في تهافت الفلاسفة » .