أبو حامد الغزالي
108
تهافت الفلاسفة
فيكون الإمكان السابق على الحدوث مضافا إلى المادة ، فإنها وإن لم تنطبع فيها فلها علاقة معها ، إذ هي المدبرة المستعملة لها ، فيكون الإمكان راجعا إليها بهذا الطريق . والجواب أن رد الإمكان والوجوب والامتناع ، إلى قضايا عقلية صحيح ، وما ذكروه من أن معنى قضاء العقل علمه ، والعلم يستدعى معلوما ، فنقول له : معلوم كما أن اللونية والحيوانية وسائر القضايا الكلية ثابتة في العقل عندهم ، وهي علوم لا يقال لا معلوم لها ، ولكن لا وجود لمعلوماتها في الأعيان ، حتى صرح الفلاسفة بأن الكليات موجودة في الأذهان لا في الأعيان ، وإنما الموجود في الأعيان جزئيات شخصية ، وهي محسوسة غير معقولة ، ولكنها سبب لأن ينتزع العقل منها قضية مجردة عن المادة عقلية ، فإذن اللونية قضية مفردة في العقل سوى السوادية والبياضية ، ولا يتصور في الوجود لون ، ليس بسواد ولا بياض ولا غيره من الألوان ، وتثبت في العقل صورة اللونية من غير تفصيل ، ويقال : هي صورة وجودها في الأذهان لا في الأعيان ، فإن لم يمتنع هذا لم بمتنع ما ذكرناه . وأما قولهم : لو قدر عدم العقلاء أو غفلتهم ما كان الامكان ينعدم ، فنقول ولو قدّر عدمهم ، هل كانت القضايا الكلية وهي الأجناس والأنواع تنعدم ؟ ! فإذا قالوا : نعم ، إذ لا معنى لها إلا قضية في العقول ، فكذلك قولنا في الإمكان ، ولا فرق بين البابين ، وإن زعموا أنها تكون باقية في علم اللّه سبحانه ، فكذا القول في الإمكان ، فالالزام واقع ، والمقصود إظهار تناقض كلامهم . وأما العذر عن « الامتناع » بأنه مضاف إلى المادة الموصوفة بالشئ إذ يمتنع عليه ضده ، فليس كل محال كذلك ، فإن وجود شريك للّه تعالى محال ، وليس ثمت مادة يضاف إليها الامتناع ، فإن زعموا أن معنى استحالة الشريك ، أن انفراد اللّه تعالى بذاته ووجوده واجب ، والانفراد مضاف إليه ، فنقول : ليس بواجب على أصلهم ، فإن العالم موجود معه فليس منفردا ، فإن زعموا أن انفراده عن النظير واجب ، ونقيض الواجب ممتنع ، وهو إضافة إلى اللّه . قلنا فنعنى أن انفراد اللّه تعالى عنها ، ليس كانفراده عن النظير فان انفراده عن النظير واجب ،