أبو حامد الغزالي

105

تهافت الفلاسفة

دليل رابع « 1 » وهو أنهم قالوا : كل حادث فالمادة التي فيه تسبقه ، إذ لا يستغنى الحادث عن مادة فلا تكون المادة حادثة ، وإنما الحادث الصور والأعراض والكيفيات الطارئة على المواد . وبيانه أن كل حادث فهو قبل حدوثه لا يخلو إما أن يكون ممكن الوجود ، أو ممتنع الوجود ، أو واجب الوجود ، ومحال أن يكون ممتنعا ، لأن الممتنع في ذاته لا يوجد قط ، ومحال أن يكون واجب الوجود لذاته ، فإن الواجب لذاته لا يعدم قط ، فدل على أنه ممكن الوجود لذاته ، فإذن إمكان الوجود حاصل له قبل وجوده ، وإمكان الوجود وصف إضافى ، لا قوام له بنفسه ، فلا بد له من محل يضاف إليه ، ولا محل إلا المادة ، فيضاف إليها ، كما يقال : هذه المادة قابلة للحرارة والبرودة ، أو السواد والبياض ، أو الحركة والسكون ، أي ممكن لها حدوث هذه الكيفيات وطريان هذه التغيرات . فيكون الإمكان وصفا للمادة ، والمادة لا يكون لها مادة ، فلا يمكن أن تحدث ، إذ لو حدثت لكان إمكان وجودها سابقا على وجودها ، وكان الإمكان قائما بنفسه ، غير مضاف إلى شئ ، مع أنه وصف إضافى لا يعقل قائما بنفسه ، ولا يمكن أن يقال : إن معنى الإمكان يرجع إلى كونه مقدورا ، وكون القديم قادرا عليه ، لأنا لا نعرف كون الشئ مقدورا إلا بكونه ممكنا ، فنقول هو مقدور ، لأنه ممكن ، وليس يمقدور لأنه ليس بممكن ، فإن كان قولنا هو ممكن يرجع إلى أنه مقدور ، فكأنا قلنا : هو مقدور لأنه مقدور ، وليس بمقدور لأنه ليس بمقدور ، وهو تعريف الشئ بنفسه ، فدل أن كونه ممكنا قضية أخرى في العقل ظاهرة

--> ( 1 ) يلاحظ أنه قال أول المسألة : « وهذا الفن من الأدلة ثلاثة » . ( 1 ) يلاحظ أنه قال أول المسألة : « وهذا الفن من الأدلة ثلاثة » .