أبو حامد الغزالي

106

تهافت الفلاسفة

بها تعرف القضية الثانية ، وهي كونه مقدورا ، ويستحيل أن يرجع ذلك إلى علم القديم بكونه ممكنا ، فإن العلم يستدعى معلوما ، فالإمكان المعلوم غير العلم لا محالة ، ثم هو وصف إضافى ، فلا بد من ذات يضاف إليها ، وليس إلا المادة ، فكل حادث فقد سبقه مادة ، فلم تكن المادة الأولى حادثة بحال . الاعتراض أن يقال : الإمكان الذي ذكرتموه يرجع إلى قضاء العقل ، فكل ما قدّر العقل وجوده فلم يمتنع عليه تقديره ، سميناه ممكنا وإن امتنع سميناه مستحيلا ، وإن لم يقدر على تقدير عدمه ، سميناه واجبا ، فهذه قضايا عقلية لا تحتاج إلى موجود حتى تجعل وصفا له بدليل ثلاثة أمور . أحدها : أن الإمكان لو استدعى شيئا موجودا يضاف إليه ويقال : إنه إمكانه ، لا ستدعى الامتناع شيئا موجودا يقال إنه امتناعه ، وليس للمتنع في ذاته وجود ، ولا مادة يطرأ عليها المحال حتى يضاف الامتناع إلى المادة . والثاني : أن السواد والبياض يقضى العقل فيهما قبل وجودهما بكونهما ممكنين ، فأن كان هذا الإمكان مضافا إلى الجسم الذي يطرآن عليه حتى يقال : معناه أن هذا الجسم يمكن أن يسوّد وأن يبيض ، فإذن ليس البياض في نفسه ممكنا ولا له نعت الإمكان ، وإنما الممكن الجسم والإمكان مضاف إليه ، فنقول : ما حكم نفس السواد في ذاته ، أهو ممكن ، أو واجب ، أو ممتنع ؟ ولا بد من القول بأنه ممكن . فدل أن العقل « 1 » في القضية بالإمكان ، لا يفتقر إلى وضع ذات موجودة يضيف إليها الإمكان . والثالث : أن نفوس الآدميبن عندهم جواهر قائمة بأنفسها ، ليست بجسم ولا مادة ، ولا منطبعة في مادة ، وهي حادثة على ما اختاره « ابن سينا » والمحققون منهم ، ولها إمكان قبل حدوثها ، وليس لها ذات ولا مادة ، فإمكانها

--> ( 1 ) يعنى في القضاء .