محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

51

شرح حكمة الاشراق

وغير الفطرىّ من التّصوّرات ، ما يتوقّف حصوله في العقل على طلب وكسب ، كتصوّر الملك والجنّ ؛ ومن التّصديقات ما لا يكفى تصوّر طرفيه في جزم العقل بالنّسبة بينهما ، بل يحتاج إلى دليل ، كقولنا : « العالم حادث أو قديم » . والمجهول إذا لم يكفه التّنبيه والإخطار بالبال ، كما في كثير من البديهيّات الّتى يشتمل عليها هذا الفّن ، كما صرّح به في التّلويحات ، حيث قال : « ومن الضّروريات ما ينبّه عليها دون الحاجة إلى معلوم وآلة ، وكثير من هذا العلم هكذا ، ويتبنى عليه غيره ، فلا يحوج إلى قانون آخر ، ليتسلسل » . وليس ممّا يتوصّل إليه بالمشاهدة الحقّة الّتى للحكماء العظماء ، كمعرفة النّفوس والعقول والأنوار المجرّدة الحاصلة بالتّوصّل إلى مشاهدتها بطريق الرّياضات والمجاهدات دون سبيل الفكر والمقالات ، إذ لا يكشف المقال عنها غير الخيال . وإذا لم يكفه التّنبيه وليس ممّا يشاهد ، فلا بدّ من اقتناصه بالفكر ، وهو ترتيب أمور معلومة مناسبة ترتيبا خاصّا يتأدّى منها إلى المجهول ، إذ ليس كلّ معلوم يوصل إلى أىّ مجهول كان ، بل لكلّ مجهول معلومات تناسبه ، هي الموصلة إليه ، دون ما عداها ، وليست المعلومات المناسبة توصل إلى المجهول كيف كانت ، بل لا بدّ لها من ترتيب خاصّ هو الموصل لا غير ، ولهذا لم يكتف بقوله : لا بدّ له ، أي لذلك المجهول ، من معلومات موصلة إليه ، بل أردفه بقوله : ذات ترتيب موصل إليه ، منتهية في التّبيّن إلى الفطريّات ، وإلّا يلزم الدّور إن انتهى المعلومات الموصلة إلى المجهول في التّبيّن إليه ، والتّسلسل إن لم تنته إليه . ولمّا كان لزوم الدّور وبطلانه ظاهرا ، لامتناع توقّف الشّىء على نفسه ، جنح عن بيان لزوم الدّور إلى بيان لزوم التّسلسل وقال : وإلّا يتوقّف كلّ مطلوب للإنسان على حصول ما لا يتناهى قبله ، ولا يحصل له أوّل علم ، مكتسب ، قطّ ، لتوقّفه على محال ، وهو حصول ما لا يتناهى في الذّهن دفعة ، وهو محال . لحصول العلوم الكسبية لنا ، ولأنّ العلوم تتنزّل من الفكر منزلة المادّة ، والتّرتيب منزلة الصّورة . فصلاح الفكر يكون بصلاحهما وفساده بفسادهما أو فساد أحدهما .