محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

529

شرح حكمة الاشراق

الإنسان مستغرقا ، لشدّة شهوته بالفكر في محبوبه ، أو لشدّة الغضب بالفكر في عدّوه ، حتّى لا يبقى فيه متّسع لشئ أصلا ، فيخاطب ، فلا يفهم ، ويجتاز بين يديه مجتاز فلا يراه ، وهو في هذا الاستغراق [ غافل عن كلّ شئ وعن الاستغراق أيضا ، ولو التفت إلى الاستغراق ] لكان معوقا عن المستغرق به ، وهذا من الأمور الّتى يجدها الإنسان من نفسه . والعارف ما دام لا يزول عنه النّظر إلى العرفان ، فهو بعد متوسّط حتّى ينسى العرفان في جلال المعروف . وكما أنّ شدّة العلاقة الّتى بين النّفس والبدن ، مع أنّها ليست فيه ، توجب الإشارة إليه ب « أنا » . حتّى أنّ أكثر النّفوس نسيت أنفسها ، وظنّت أنّ هويّاتها هي البدن ، فكذلك لا مانع أن تحصل للنّفس مع المبادى علاقة شوقيّة عشقيّة يمحو عنها الالتفات إلى شئ بحيث يشير إلى مبدئها ب « أنا » إشارة روحانيّة ، كما قد يحكى ذلك عن بعض العارفين . وإذ قد أشرنا ، في هذا الضّابط ، إلى جمل أحوال الواصلين وأصولها دون تفاصيلها وفروعها ، إذ لا سبيل إلى حصرها وتفهيمها ؛ فلنرجع إلى تتّبع ألفاظ الكتاب ونقول : أمّا ما ذكره من الأنوار السّانحة الخمسة عشر ، فظاهر غنىّ عن الشّرح . وهو قوله : نور بارق يرد على أهل البدايا ، يلمع وينطوى كلمعة بارق لذيذ ، ويرد على غيرهم أيضا نور بارق أعظم منه وأشبه منه بالبرق ، إلّا أنّه برق هائل ، وربما يسمع معه صوت كصوت رعد ، أو دوىّ في الدّماغ ، نور وارد لذيذ يشبه وروده ورود ماء حارّ على الرّأس ، نور ثابت زمانا طويلا شديد القهر ، يصحبه خدر في الدّماغ ، نور لذيذ جدّا لا يشبه البرق ، بل يصحبه بهجة لطيفة حلوة يتحرك بقوّة المحبّة . نور محرق يتحرّك من تحرّك القوّة العزيّة ، وقد تحصل من سماع طبول وأبراق أمور هائلة للمبتدى ، أو لتفكّر وتخيّل يورث عزّا ، نور لامع في خطفة عظيمة يظهر مشاهدة وإبصارا أظهر من الشّمس في لذّة مغرقة ، نور برّاق لذيذ جدّا ، يتخيّل كأنّه متعلّق بشعر الرّأس زمانا طويلا ، نور سانح مع قبضة مثاليّة وفي بعض النّسخ