محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

516

شرح حكمة الاشراق

خياله أيضا حينئذ مستمعا إليه . وإنّما أكدّ بهذا ، لئلّا يظنّ أنّه من محاكيات الخيال ، فذلك صوت من المثال المعلّق ، في العالم الرّوحانىّ المثالىّ . وكلّ من احتنك ، أي : تمرّن وتقوّى ، من : « حنكّته السّن والتّجارب » ، أي : أحكمته ؛ في السّباتات الإلهيّة ، الّتى هي عبارة عن خمود القوى ، أو عن الحالة الّتى بين النّوم واليقظة ، إذا صعد ، في العالم المثالىّ الكثير الطّبقات ، الغير المتناهى الأشخاص ، لم يرجع ، حتّى يصعد من طبقة إلى طبقة من الصّور المليحة . فكلّما كان صعوده أتمّ كانت مشاهدته للّصور ، أصفى وألذّ . وهكذا يصعد من طبقة إلى أعلى ، حتّى يصل إلى أشرف الطّبقات ، الّذى هو قريب الشّبه بالأنوار المجرّدة ، فيبرز بعد ذلك ، الوصول إلى أعلى طبقات عالم المثال ، إلى عالم النّور . وعلى ذلك التّرتيب ينتقل من النّور الأدنى إلى الأعلى ، ومن الأضعف نورا إلى الأشدّ ، حتّى يصل إلى آخر طبقات الأنوار المجرّدة . ثمّ ، بعد الوصول إلى أعلى مراتب الأنوار المجرّدة ، يبرز إلى نور الأنوار ، ( 263 ) . واعلم أنّ طبقات عالم المثال وإن كانت كثيرة لا يحصيها إلّا اللّه ، تعالى ، والمبادى العالية ، لكنّها متناهية . وأمّا أشخاص كلّ طبقة ، وهي من الأنواع الّتى في عالمنا ومن غيرها ، فهي غير متناهية . وهذه الطّبقات ، الأعلى منها شريفة نوريّة ، وهي طبقات الجنان الّتى يلتذّ بها السّعداء من المتوسّطين ، وهي أيضا متفاوتة في الشّرف ؛ وبعضها مظلمة كدرة ، وهي طبقات الجحيم الّتى تتألّم بها أهل النّار ، وهي متفاوتة في شدّة الظّلمة والوحشة ؛ وبعضها دون ذلك . والطّبقة السّافلة الشّديدة الظّلمة هي آخر الطّبقات ، وهي المصاقبة لأفق عالم الحسّ ، يسكنها المجرمون من الإنس والجنّ ، وباقي الطبقات الّتى لا تحصى بين هاتين الطّبقتين ، وكلّ طبقة يسكنها قوم لا يتناهى عدد هم ، إمّا من الملائكة أو الجنّ أو الشّياطين . واعلم أنّ كلّ شئ ممّا في العالم العنصرىّ ، من البسائط الّتى هي العناصر الأربعة والمركّبات الّتى هي المعادن والنّبات والحيوان وأشخاص كلّ نوع منها من