محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

517

شرح حكمة الاشراق

صغيرها وكبيرها ، مصوّر في الفلك ، أي : منقوش في كلّ فلك ، على نحو ما وجد هيهنا ، أي : في عالم الحسّ ، بجميع هيئاته ، الجسمانيّة والنّفسانيّة ، من دقيق وجليل . وكلّ إنسان ، وكذا كلّ حيوان وغيره ، منقوش مع جميع أحواله وحركاته وسكناته ، ما وجد وما سيوجد . وبالجملة جميع ما يصدر عن كلّ شخص ، إذ الأفلاك أبدعت منقوشة بجميع الكائنات ، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصته وضبطته ، على ما قال تعالى : « وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( القمر ، 53 ) . وتلك النّقوش موجودة في سطوحها المحدّبة والمقعّرة على التّناسب والتّرتيب الموجود هيهنا ، وليست على ما يحسّ بالبصر ، لشفيف الأفلاك ، بل على ما يليق بأحوال الأفلاك . [ فما أمكن نقشه فهو منقوش ، كصورة الإنسان والفيل والبعوضة وغيرها من الأنواع ، وكذا شكله ومقداره وتخاطيطه ] ، وما لا يمكن نقشها ، كالأرايح والطّعوم والألوان وأمثالها من الحركات والسّكنات ، فهي منقوشة على وجه آخر ، كالكتابة ، حول كلّ شخص مصوّر ، على ما هو عليه ، من الصّغر والكبر ، والنّشوء والنّموّ ، والتّوالد والتّناسل وغيره ، من أوّل نشوئه إلى آخر عمره . ولهذا ما يرى الشّىء الواحد في النّوم على هيئآت مختلفة وأحوال شتّى من أوّل أمره إلى آخر عهده ، بحسب الأوقات ، على التّرتيب الزّمانىّ ، كما هو عليه . ومن البرهان على وجود النّفس ، النّاطقة الإنسانيّة ، وأنّها غير جسمانيّة : أنّها قد يكون مظهرها البرزخ ، كالنّفوس المتعلّقة بالأبدان الظّاهرة بها ، وقد يكون مظهرها المثال المعلّق ، كالنّفوس الإنسانيّة الظّاهرة بالمثل في النّوم . وهي تدرك ذاتها في الحالتين ، أي : دائما ، ومع الغفلة عنها أحيانا ، فليست ، النّفس ، أحدهما ، أي البرزخ والمثال ، بل هي مغايرة لهما ؛ وهو ظاهر ولنذكر هيهنا من الذّكر ، الإلهىّ ، ما يدرك به المثل الحقّ ، في أحوال النّفوس الإنسانيّة وكيفيّة سلوكها إلى اللّه تعالى وخلاصها من الدّركات ، ويستبصر به ، وهي من الواردات ، الإلهيّة