محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
512
شرح حكمة الاشراق
ما في العالم المثالىّ جواهر بسيطة ، لقيامها بذاتها وتجرّدها عن الموادّ ، فلا يزاحم بعضها بعضا ، ولا يتمانع على محلّ أو مكان . وما يرى ، من الجبل والبحر صريحا ، في المنام الصّادق أو الكاذب ، كيف يسعهما الدّماغ أو بعض تجاويفه . وإذ لم تسعهما آلة جسمانيّة ، لامتناع انطباع العظيم في الصّغير ، على ما قد عرفت ، فهي مثل قائمة في العالم المثالىّ الرّوحانىّ بذاتها ، لا في محلّ ومكان ، كما ذكرنا . وكما أنّ النّائم ونحوه ، من المتخيّل ومن بين النّوم واليقظة ، إذا انتبه ، عن النّوم أو عاد عن مشاهدة ما تخيّل ، أو ما رأى بين النّوم واليقظة ، فارق العالم المثالىّ دون حركة ، محوجة إلى قطع مسافة ، ولم يجده ، أي : ذلك العالم ، على جهة منه ؛ فكذا من مات عن هذا العالم يشاهد عالم النّور دون حركة ، وهو هناك . إلّا أنّه إن كان من الكاملين يشاهد عالم النّور المحض ، وإن كان من المتوسّطين يشاهد عالم النّور المثالىّ ، وإن كان من النّاقصين يشاهد ما يليق بحاله . ومثل المرآة علّتها وفي بعض النسخ : « مثال المرآة ( 261 ) علّته » ، أي : العلّة المعدّة لظهورها ، الضّوء ، لا القابلة ، فإنّها السّطوح الملس الصّقيلة ، ولا الفاعلة الفيّاضة ، فإنّها العقل المفارق . [ والأجسام الّتى لا ملاسة فيها ، إنّما لا يحصل معها المثال للأجزاء الغائرة المظلمة ، أي : الّتى في تلك الأجسام الخشنة ] ، وما ليس فيه غاير أي : من أجزاء تلك الأجسام الخشنة ، فهو صغير . ولصغره لا يظهر معه شئ من المثل . وللأفلاك أصوات غير معلّلة بما عندنا ، من الهواء والماء . وهو مذهب القدماء من الحكماء ، كهرمس وفيثاغورس وأفلاطن وأشباههم من أساطين الحكمة ، إلّا أنّ الفيثاغوريّين أثبتوا الهواء بين الأفلاك وخروجه عنها ، وقالوا : عدم سماعنا لأصواتها لامتلاء أسماعنا منها . ولم نعلم أنّ إثباتهم للهواء هو لكونه شرط الصّوت ، كما هو عندنا ، أو هو رمز ، كما هو عادة الأقدمين . وهذا ، أقرب ، لأنّ مراتبهم في العلوم أجلّ من أن يخفى