محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
508
شرح حكمة الاشراق
في البرازخ العلويّة ، لا كلّ لها . فلا يناقض ما برهن على استحالته ، من وجود سلسلة مترتّبة مجتمعة غير متناهية ، وهو ظاهر . ولا ينبغي أن يتوهّم أن يكون شئ من الكائنات الماضية أو المستقبلة لا نعلمها هي ، المدبّرات الفلكيّة . وهذا هو الّذى وعدنا أنّه سيشير إليه إشارة ، فيكذّبه ، أي المتوهّم ، المنامات والكهانات ، الصّادقة ، وأخبار النّبّوات بما وقع وبما سيقع ، ويكذّبه ، أيضا ، تذكّر الأحوال الماضية . فإنّ البرهان قد سبق على أنّ الذّكر من البرازخ العلويّة أيضا ، ومن الأنوار المدبّرة لها . ولمّا استشعر أن يقال : لم لا يجوز أن يكون صاحب الإنذار يوجد علمه بالأشياء موافقا لما يقع . وعلى هذا يلزم من عدم علم المدبّرات الفلكيّة بشئ من الكائنات تكذيب المنامات والإنذارات ؛ أجاب وقال : فصاحب الإنذار بالنّبوّة ، أو الكهانة ، أو المنام الصّادق لا يوجد علمه بالأشياء في ذاته ، لذاته ، موافقا لما يقع ، فإنّ عجزه ، عن إيجاد العلم على الوجه المذكور . وفي بعض النّسخ : « فإنّ معجزه » ، وهو أيضا بمعنى العجز ، ظاهر ، وعجز نوعه . ظاهر أيضا ، والنّائم ليس في قواه قدرة ذلك ، أي : القدرة على الإيجاد المذكور ، ولا لنفسه وإلّا لكان في اليقظة أقدر على إبداعه . ثمّ إن كان يخترع علمه بنفسه بما سيقع ، فينبغي أن يعلمه قبل أن يعلمه ، ليخترع جزما على وفاقه ، وهذا محال . وأيضا يعرف الإنسان بالضّرورة في الجملة ، وإن لم يعرف بالتّفصيل ، أنّ الإعلام من شئ آخر ، أي : غير نفسه وقواه . وإذا كان كذلك ، فالأمور ( 259 ) العالية ، من البرازخ ومدبّراتها ، عندها حيطة ، أي : إحاطة ، بالواقع والماضي والمستقبل . وإن فرض أنّ أصحاب البرازخ العلويّة ، أي نفوسها ، علومها متناهيّة ، لكنّها ، تستفيد ، وهذا هو الّذى أشرنا أنّه سيشير إليه . وفي بعض النّسخ : « تستعيد » العلم من شئ آخر فوقها وتستمدّ منه ، فيعود الكلام إلى الشّىء الّذى منه الاستفادة ، وفي بعض النّسخ : « الاستعادة » ، والاستمداد . ويلزم المحال المذكور .