محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

23

شرح حكمة الاشراق

منهم جماعة ، إلّا أنّ أتمّهم كمالا ، لا يكون إلّا واحدا ، كما جاء في الأخبار النّبويّة . وإذا كانت السّياسة بيده ، بيد المتألّه ، بحّاثا كان أم لا ، كان الزّمان نوريّا ، لتمكّنه من نشر العلم والحكمة والعدل وسائر الأخلاق المرضيّة وحمله النّاس على المحجّة البيضاء بقوّة نفسه بالعلم والعمل ، كزمان الأنبياء [ عليهم السّلام ] ومتألّهى الحكماء . وإذا خلا الزّمان عن تدبير إلهىّ ، سنّه على ألسنة أنبيائه وحكمائه ، كانت الظّلمات غالبة ، كزمان الفترات وبعد عهد النّبوّات واستيلاء ذوى الغباوة والجهالات ، كزماننا هذا ، لضعف الشّرائع وتواتر الوقائع وانطماس السّبل والمناهج الحكميّة واندراس الرّتب والمدارج العقليّة . وأجود الطّلبة : طالب التّألّه والبحث ، لتوجّهه إلى الجمع بين الكمالين ، ثمّ طالب التّألّه ، ثمّ طالب البحث ، لأنّ طالب التّألّه : طالب للخلافة الّتى هي المقصد الأقصى ، بخلاف طالب البحث ، إذ لا خلافة له ، ولأنّ طلب حصول اليقين بالتّألّه أقرب من طلبه بالبحث الصّرف ، لعدم سلامة البحث عن الشّكوك والشّبهات . وكتابنا هذا لطالبى التّألّه والبحث ، لاشتماله على الحكمتين . أمّا الذّوقيّة فلما فيه من علم الأنوار الإلهيّة . وأمّا البحثيّة فلما فيه من أصول العلوم وقواعدها ، كالمنطق والطّبيعىّ والإلهىّ . وليس للباحث الّذى لم يتألّه أو لم يطلب التّألّه فيه نصيب ، لابتنائه على الأصول الكشفيّة الذّوقيّة ، بخلاف الكتب البحثيّة ، لابتنائها على أصول أخرى ، فلا جرم لا يكون له فيه نصيب ، لاختلاف المآخذ . ولا نباحث في هذا الكتاب ورموزه إلّا مع المجتهد المتألّه أو الطّالب للتّألّه ، أي : إلّا مع المجتهد في الأنظار والأفكار ، سواء كان وأصلا إلى التّألّه أو طالبا له ( 13 ) . وأقلّ درجات قارئ هذا الكتاب أن يكون قد ورد عليه البارق الإلهىّ ، وهو نور فائض عن المجرّدات العقليّة على النّفس النّاطقة عقيب الريّاضات والمجاهدات والاشتغال بالأمور العلويّة الرّوحانيّة ، به تعلم المجرّدات وأحوالها ، وهو أكسير الحكمة . ولابتناء هذا الكتاب على هذه البوارق ، فمن لم تحصل له هذه لا يمكنه