محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
430
شرح حكمة الاشراق
كما لا يلزم من مقابلة الهواء للشّمس استنارته بنورها لتوقّف استنارته على تكاثفه . وعلى هذا يجوز أن يكون بعض المجرّدات لقوّته وكماله لا يحتاج في قبول كمال المفيض إلى استعمال آلة كالعقول ، وبعضها لضعفه ونقصانه يحتاج في قبوله إلى استعمالها كالنّفوس . وعلى هذا لا يلزم من مقابلتها دون الآلة انتقاشها بكمالها ، لتوقّفه على الآلة ولا آلة . سلّمناه لكن لا يلزم من عدم أولويّة بعض النّفوس القديمة ببعض الأبدان بحسب الماهيّة عدم أولويّة بعضها به بحسب رتبة من الرّتب الغير المتناهية الّتى لشدّة نوريّة النّفوس وضعفها ، فيجوز أن يكون الأولويّة بهذا . والثّالثة : بأنّه إنّما يلزم من عدم تصرّف النّفس القديمة في البدن كونها معطّلة لو لم تستكمل النّفس إلّا بالبدن ، وهو غير يقينىّ . سلّمناه ، لكن إنّما يلزم أن لا يبقى في العالم نور مدبّر لو لم يجز تدبير نفس لبدن بعد تدبيرها لبدن آخر على ما أشرنا إليه ثمّة . والرّابعة : [ والثّانية والثّالثة ] بأنّهما متناقضتان ، لأنّه ألزم في الثّانية من وجود النّفس قبل البدن انتقاشها بكمالها ، وفي الثّالثة ألزم من ذلك تعطيلها . وهذا ممّا يدلّ على وهن الحجّتين ، إذ لو كان جازما بأحد الأمرين لما حكم بمناقضته في الحجّة الأخرى . وذهب أفلاطون إلى قدم النّفوس . وهو الحقّ الّذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه ، لقوله عليه السّلام : « الأرواح جنود مجنّدة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » ، وقوله عليه السلام : « خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام » . وإنّما قيّده بألفي عام تقريبا إلى افهام العوامّ ، وإلّا فليست قبليّة النّفس على البدن متقدرّة ومحدودة ، بل هي غير متناهية ، لقدمها وحدوثه . وتمسّك أفلاطون في الاحتجاج عليه : بأن علّة وجود النّفس إن كانت موجودة بتمامها قبل البدن الصّالح لتدبيرها ، فتوجد قبله ، لاستحالة تخلّف المعلول عن العلّة التّامّة وإن ( 218 ) لم تكن موجودة بتمامها قبل البدن ، بل تتمّ به توقّف وجودها