محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
360
شرح حكمة الاشراق
متجوهرة ، بخلاف ما في الأعيان ، لأنّ الإنسانيّة الخارجيّة متقدّرة متجوهرة . فليس من شرط المثال المماثلة بالكلّيّة ، فلا يلزم تركّب الصّورة الإنسانيّة وغيرها في عالم الأجسام تركّب مثلها ، وهي أرباب الأصنام ، ولا من افتقار الصّور النّوعيّة هيهنا إلى القيام بالمادّة افتقار مثلها في عالم الأنوار إليها ، فإنّ للماهيّة النوريّة كمالا في ذاتها ، به تستغنى عن القيام بمحلّ . وللجسمانيّة نقص يجوج إلى القيام بمحلّ ، إذ هي كمالات لغيرها ، ولا تقوم بذاتها ، كالصّور الجوهريّة الذّهنيّة المأخوذة من الجواهر الخارجيّة ، فإنّها لكونها كمالا للذّهن تقوم به ، لا بذاتها . واعلم : أنّ القائلين بالمثل النّوريّة الأفلاطونيّة لا يقولون : إنّ لكلّ شئ مثالا ، كيف كان ، حتّى يكون للإنسان مثال ، ولكونه ذا رجلين مثال آخر ، وكذا لكلّ صفة من صفاته وخاصّة من خواصّه ، بل يقولون : إنّ لكلّ نوع جسمانىّ مستقلّ ربّ نوع ، له هيئآت نورانيّة روحانيّة ، إذا وقع ظلّه في عالم الأجسام يكون ذلك النّوع مع خواصّه ولوازمه وعوارضه وهو المراد من قوله : ولا يلزمهم أيضا أن يكون للحيوانيّة مثال ، وكذا لكون الشّىء ذا رجلين ، بل كلّ شئ يستقلّ بوجوده ، كالجواهر ، وهو احتراز عن الأعراض ، له أمر يناسبه من القدس . فلا يكون لرائحة المسك مثال وللمسك آخر ، بل يكون نور قاهر ، أي : عقل ، في عالم النّور المحض ، له هيئآت نوريّة من الأشعّة ، العقليّة ، وهيئآت من المحبّة واللّذّة والقهر . وإذا وقع ظلّه في هذا العالم ، يكون صنمه المسك مع الرّائحة أو السّكّر مع الطّعم ، أو الصّورة ( 182 ) الإنسانيّة مع اختلاف أعضائها على المناسبة المذكورة من قبل . وهي المناسبة الموجودة في الأنوار المجرّدة المقتضية لهذه الصّورة في هذا العالم . وفي كلام المتقدّمين تجوّزات ، يجب حملها على ما ذكرنا وما سنذكره ، لا على ما فهمه المشّاؤون ، وهم ، المتقدّمون ، لا ينكرون أنّ المحصولات ذهنيّة ، اى أمور ذهنيّة ، وأنّ الكلّيّات في الذّهن . لامتناع وجودها في الخارج ، إد كلّ ما في الخارج فله هويّة متخصّصة تمنع وقوع الشّركة فيها .