محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
3
شرح حكمة الاشراق
أشواطا على عرق ، وعرف أن « لا كلّ سوداء تمرة ، ولا كلّ حمراء جمرة » . وذلك يدلّ على أنّه - رحمه اللّه - ذو قدم راسخة في الحكمة ويد طويلة في الفلسفة وجنان ثابت في الكشف ( 2 ) وذوق تامّ في فقه الأنوار . لكنّ الحكمة البحثيّة والذّوقيّة هي على طريقة الإشراقيّين . وهي الّتى قرّرها وأخبر عنها الصّدر الأوّل من الحكماء الّذين هم من جملة الأصفياء ، من الأنبياء والأولياء ، كاغا ثاذيمون وهرمس وأنباذقلس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطن وأمثالهم ، ممّن شهدت أفاضل الأمم السّالفة بفضلهم ، وأقرّت أماثل الملل المتخالفة بتقدّمهم . وذلك لتشبّههم بالمبادئ وتخلّقهم بأخلاق الباري ، بتجرّدهم عن المادّة من جميع الوجوه وانتقاشهم بالمعارف على ما عليه هيئة الوجود . أولئك هم الفلاسفة حقّا ، فإنّ « الفلسفة هي التّشبّه بالإله ، بحسب الطّاقة البشريّة ، لتحصيل السّعادة الأبديّة » . كما أمر الصّادق عليه السّلام به ، في قوله : « تخلّقوا بأخلاق اللّه » ، أي تشبّهوا به في الإحاطة بالمعلومات والتّجرّد عن الجسمانيّات . وهذا النّمط من الحكمة ، أعنى حكمة أهل الخطاب ، المشتمل عليها هذا الكتاب ، هي الّتى ذكرت في عدّة مواضع من القرآن في سياق الامتنان ومعرض الإحسان ، كقوله - عزّ وعلا - : « وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ » ، [ لقمان ، 12 ] . وقوله : « وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » ، [ البقرة ، 269 ] . إلى غير ذلك من الآيات والأخبار ، الدّالّة على شرف الحكمة وعلوّ رتبتها وأنّها ممّا يستحقّ أن توقف الهمّة طول العمر على قنيتها ، لقوله - عليه أفضل الصّلوات وأمثل التّحيّات : « من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » ، وكفى لها شرفا تسميته تعالى نفسه الكريم ب « الحكيم » في مثاني من كتابه المجيد الّذى هو تنزيل من حكيم حميد . فهذه هي الحكمة ، الممنون بها على أهلها ، المضنون بها عن غير أهلها . لا الّتى أكبّ عليها أهل زماننا ، فإنّها ، مع كونها معلولة الأصل ، مختلفة الأقاويل ، مدخولة بالفرع ، مزخرفة بالأباطيل ، صارت من كثرة الجدل والخلاف ، ك « علم الخلاف » غير مثمر كالخلاف . ولهذا ما ينال العالم بها من العمر مزيدا ، ولا الشّقىّ