محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
4
شرح حكمة الاشراق
بها يصير سعيدا ، بل ما تزيدهم عن الحقّ إلّا نفورا ، « يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً » [ البقرة ، 26 ] . وهذه جمل لها تفصيل ، وتنزيل يتبعه تأويل ، ولكنّ الجاهل ظلوم ، والإنصاف في النّاس معدوم . ولا الّتى عليها المشّاؤون ، أصحاب المعلّم الاوّل ، أرسطوطاليس ، لضعف قواعدهم وبطلان معاقدهم - على ما يتبيّن في تضاعيف شرح هذا الكتاب عند تمييز القشر عن اللباب - هذا مع رفضهم بالكلّيّة الحكمة الذّوقيّة ، لاشتغالهم بالفروع عن الأصول ، ونقضهم [ الحكمة ] البحثيّة بكثرة الرّدّ والقبول . كلّ ذلك لحبّ الرّياسة والفضول . ولذلك حرموا عن الوصول ، أعنى معاينة المعاني مشاهدة ، ومشاهدة المجرّدات مكافحة ، لا بفكر ونظم دليل قياسىّ ولا باعتمال ونصب تعريف حدّىّ أو رسمىّ ، بل بأنوار إشراقيّة متناوبة متتالية تسلب النّفس عن البدن وتبين معلّقة ، لتشاهد تجرّدها وما فوقها من المجرّدات وتنتقش بما انتقشت به كانتقاش المرآة من مقابلة المرآة . ولا يعدّ الإنسان من الحكماء ما لم يطّلع على الجهة المقدّسة الّتى هي الوجهة الكبرى ، ولا من المتألّهين ما لم يصر بدنه كقميص يخلعه تارة ويلبسه أخرى . ثمّ إذا خلع ، فإن شاء عرج إلى النّور وإن شاء ظهر في أيّة صورة أراد من عالم الزّور . وإنّما تحصل هذه القدرة وأمثالها بالنّور الشّارق والوميض البارق . ألم تر أنّ الحديدة الحامية تتشبّه بالنّار بمجاورتها وتفعل فعلها . فلا تتعجّب من نفس استشرقت واستضاءت بنور اللّه ، فأطاعها الأكوان طاعتها للقدّيسين ، فتومئ ، فيحصل الشئ بإيمائها ، وتتصوّر ، فيقع على حسب تصوّرها . لمثل هذا فليعمل العاملون ، وفي ذلك ( 3 ) فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ . [ المطففين ، 26 ] . فانتبهوا عن رقدة الطّبيعة ، أيّها الغافلون ، وانتهزوا الفرصة ، أيّها المستبصرون ، وحصّلوا ، بتحلية النّفس بالفضائل الرّوحانيّة وتخليتها عن الرّذائل الجسمانيّة ، قوّة عقليّة ترقى بها نفوسكم إلى عالم الملكوت لتنتظم في سلك سكّان الجبروت ، فتخلص من الرّقّ والحدثان ، وتستغنى عن البيان بالعيان ، [ وتتلّقى