محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

277

شرح حكمة الاشراق

فصل [ 3 ] في أنّ الشّىء امّا نور أو ظلمة ، وكلّ منهما إمّا جوهر أو عرض ، وأنّ النّور العارض للجسم علّته أمر خارج عنه وعن هيئته المظلمة . الشّىء ينقسم إلى نور وضوء في حقيقة نفسه ، وإلى ما ليس بنور وضوء في حقيقة نفسه . والنّور والضّوء ، المراد بهما واحد ، هيهنا ، إذ لست أعنى به ، بالنّور ، ما يعدّ مجازيّا - كالّذى ، كالنّور الّذى ، يعنى به الواضح عند العقل - وإن كان يرجع حاصله ، حاصل الواضح عند العقل ، في الأخير إلى هذا النّور ، لأنّ النّور هو الظّهور ، والواضح عند العقل لمّا كان ظاهرا عنده ، فيكون نورا . والنّور ينقسم إلى ما هو هيئة لغيره ، وهو النّور العارض ؛ وإلى نور ليس هو هيئة لغيره ، وهو النّور المجرّد والنّور المحض . على ما سبقت الإشارة إليهما في أوّل المقالة . وما ليس بنور في حقيقة نفسه ينقسم إلى مستغن عن المحلّ ، وهو الجوهر الغاسق ، أي : الجسمانىّ المظلم في ذاته ، فإنّه من حيث الجسميّة مظلم لا نور فيه ، إذ نوريّته ليست من ذاته ، وإلّا لتساوت الأجسام فيها ، بل من غيره ، لهيئة نوريّة حاصلة فيه من الغير ، وإلى غير مستغن عن المحلّ ، وهو ما يكون هيئة لغيره ، وهو الهيئة الظّلمانيّة . وهي المقولات التّسع العرضية [ ما خلا النّور العارض ] . ولمّا كان البرزخ هو الحائل بين الشّيئين ، وكانت الأجسام الكثيفة حائلة ، سمّى الجسم برزخا ، فقال : والبرزخ هو الجسم ، ويرسم ، الجسم ، بأنّه هو الجوهر الّذى يقصد بالإشارة ، الحسيّة بأنّه هنا أو هناك . وقد شوهد من البرازخ ما إذا زال عنه النّور ، بقي مظلما ، كالأجسام المستنيرة بضياء الشّمس والكواكب بعد غروبها أو حيلولة حائل بينهما . وليست الظّلمة عبارة إلّا عن عدم النّور فحسب ، على ما هو رأى الأقدمين من الحكماء . وليس هذا ، أي : الظّلمة ، من الأعدام الّتى يشترط فيها الإمكان ، على ما هو رأى المشّائين ، من أنّ الظّلمة عبارة عن عدم النّور فيما من شأنه أن يستنير ، ولهذا لا يكون الهواء عندهم مظلما ، لامتناع النّور عليه ، لشفيفه .