محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

269

شرح حكمة الاشراق

يقال : الهواء الحامل ينفذ في مسامّه ، لأنّه لا يحمل الكلم المخصوصة ما لم تتشكّل بشكل مخصوص . وذلك الشّكل لا يبقى عند مصادمة الهواء لذلك الجدار ، لكثافته ، حتّى تبقى كيفيّة تلك الحروف : بعد خروجه من المنافذ . وبأنّ حامل كلّ واحد من تلك الحروف إمّا كلّ واحد من أجزاء الهواء ، أو مجموعه : فإن كان الأوّل ، وجب أن يسمع السّامع الكلمة الواحدة مرارا كثيرة ، حسب ما يتأدّى إلى صماخه من أجزاء الهواء . وإن كان الثّانى ، وجب أن لا يسمع الكلمة الواحدة إلّا سامع واحد وبأنّ وصول الهواء المتموّج إلى الصّماخ لو كان شرطا ، لما سمع الصّوت وراء جدار من حديد لا مسامّ له ، لكنّه يسمع . وأجيب عن الأوّل : بأنّ القدر الّذى يدخل في مسامّ الجدار يبقى على ذلك الشّكل . وعن الثّانى : بأنّ الحامل هو كلّ واحد من أجزاء الهواء ، ( 136 ) ومن الجائز أن يكون السّماع مشروطا بأن يصل أوّل مرّة ، فيكون الشّرط فيما بعدها منتفيا ، فينتفى المشروط بنفيه . وعن الثّالث : بأنّ التّجربة شهدت على أنّ الحامل كلّما كانت مسامّه أقلّ كان السّماع أضعف ، وكلمّا كانت أكثر كان أقوى ، فلو عدمت المسامّ وجب أن يعدم السّماع بالكلّيّة . وأمّا الإشراقيّون ، فذهبوا إلى أنّ الهواء إن كان يتشكّل بمقاطع الحروف فليس ذلك له من حيث هو هواء مطلقا . وكيف يكون والهواء لا يحفظ الشّكل ، وهو سريع الالتيام والتّشوّش بأدنى سبب . بل إن كان يتشكّل بمقاطعها ، فإنّما ذلك بسبب غائب عنّا ، كبعض المجرّدات من العقول ، يوجد تلك التّقطيعات ويحفظها زمانا . وإلّا لم يتشكّل بتلك المقاطع ، ولم يكن تشكّله بها شرطا في حدوث حرف أو صوت ، لاستحالة اشتراط وجود الحادث الواقع بالممتنع الغير الواقع . ومن الجائز أن لا يكون تموّج السّيّال ولا توسّطه شرطا في حصول الصّوت والحرف على كلّ حال ، بل على وجه مخصوص وذلك إذا كان في عالم الحسّ . لأنّ القرع والقلع والتّموّج كلّها أسباب وشروط في هذا العالم . أمّا في عالم المثل