محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

143

شرح حكمة الاشراق

كلّ من الشّيئين على الآخر كون كلّ واحد منهما علّة للآخر . وذلك هو الّذى ادّعيتم استحالته ، فيكون الدّليل إعادة الدّعوى بعبارة أخرى ، وإن أريد بالتّقدّم معنى ثالث ، فيجب إظهاره ، ليقع الكلام بحسبه . والجواب : أنّ تصوّر هذا التّقدّم بديهىّ لا يفتقر إلى بيان ، فإنّ كلّ واحد من العقلاء يتصوّر تقدّم حركة اليد على حركة الخاتم وإن كانا معا بالزّمان . فإن كان المراد بذلك التّقدّم هو العلّيّة ، فيكفي في تقرير ذلك أن يقال : لو كان وجود كلّ منهما بالآخر ، لافتقر كلّ واحد منهما إلى نفسه وإلى الآخر ، لأنّ المفتقر إلى المفتقر إلى الشّىء مفتقر إلى ذلك الشّىء . وبطلان ذلك ظاهر ، ولا حاجة إلى ذكر لفظ التّقدّم . - وما ظنّ بعض أهل العلم « أنّه لا يتصوّر أن يكون شيئان كلّ واحد منهما مع الآخر بالضّرورة » ، ينتقض عليه بالمتضائفين ، فإنّه لا يتصوّر وجود كلّ واحد منهما إلّا مع الآخر بالضّرورة . وحجّته أنّ كلّ واحد منهما إن استغنى عن الآخر فيصحّ وجوده دونه ؛ وإن كان لكل واحد منهما مدخل في وجود الآخر ، فيتوقّف كلّ واحد منهما على الآخر ؛ وإن كان لأحدهما مدخل في وجود الآخر ، فيتقدّم عليه ، فلا معيّة ، ضروريّة . أمّا على الأوّل ، فلإمكان وجود كلّ منهما بدون الآخر ، للاستغناء من الجانبين . وأمّا على الثّانى ، فلتوقّف كلّ منهما على الآخر واستلزامه تقدّم كلّ واحد منهما على الآخر . وأمّا على الثّالث فلتقدّم أحدهما . وهذا ، أي : نفى المعيّة ، إذا منع ، وقيل : لا نسلّم أنّه لا معيّة على التّقدير الثّانى ، لأنّ توقّف كلّ واحد منهما على الآخر لا ينافي المعيّة ، لأنّ الشّيئين إذا كان لهما علّة خارجة يجوز أن يقيم كلّ واحد منهما ( 72 ) مع الآخر ضرورة ، كلبنتين منحنيتين قد يقع مثلا أن يقام كلّ واحدة منهما مع الأخرى ضرورة ، ولا يقوم إحداهما إلّا مع قيام الأخرى ، لا يقدر على إقامة الحجّة عليه . ثمّ إنّه : إنّ هذا الدّليل ، بعينه متوجّه في المتضائفين في وجودهما العينىّ وفي وجوب تعقّلهما معا أيضا . والمراد : أنّ الدّليل منقوض بالمتضائفين ، لكونهما معا